بين «اللغة الوطنية» و«اللغة الرسمية»… كيف أخفق المرسوم 13 واتفاق 29 كانون الثاني في إنصاف الشعب الكردي في سوريا؟

شادي حاجي
في لحظة سياسية يُفترض أنها تؤسس لسوريا جديدة بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام، عاد الجدل مجدداً حول طبيعة الدولة السورية المقبلة: هل ستكون دولة مواطنة وشراكة حقيقية بين مكوناتها القومية والدينية والطائفية، أم مجرد إعادة إنتاج للدولة المركزية القديمة بصياغات أكثر ليونة إلى حدٍّ ما؟
هذا السؤال عاد بقوة بعد صدور المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026، وما تبعه من تفاهمات 29 كانون الثاني بين الحكومة السورية المؤقتة و«قسد» والإدارة الذاتية. ورغم الترحيب الذي رافق الحديث عن الاعتراف بالكرد وحقوقهم الثقافية، فإن القراءة القانونية والسياسية الدقيقة للنصوص تكشف أن ما جرى لا يزال بعيداً عن تحقيق الحد الأدنى من الحقوق القومية المشروعة للشعب الكردي في سوريا.
فالمرسوم الرئاسي استخدم عبارة «اللغة الكردية لغة وطنية»، مع السماح بتدريسها في المناطق ذات الكثافة الكردية. وللوهلة الأولى، قد يبدو الأمر تطوراً مهماً قياساً بتاريخ طويل من الإنكار والتهميش، لكن الفارق بين «اللغة الوطنية» و«اللغة الرسمية» ليس تفصيلاً لغوياً أو رمزياً، بل فرق جوهري يمسّ طبيعة الاعتراف الدستوري والقانوني بالشعب الكردي نفسه.
فاللغة الرسمية هي لغة الدولة ومؤسساتها ومحاكمها وإداراتها ووثائقها ومراسلاتها، أما اللغة الوطنية فهي لغة معترف بها ثقافياً وتراثياً، مع حماية حق تعليمها واستخدامها مجتمعياً، لكنها لا تصبح لغة الإدارة أو القضاء أو التشريع. وبذلك، فإن الكردية ـ وفق المرسوم 13 ـ بقيت خارج البنية الرسمية للدولة السورية، رغم الاعتراف بها كمكوّن ثقافي وطني.
هذا التوصيف يعكس استمرار الذهنية السياسية التقليدية التي تتعامل مع القضية الكردية بوصفها مسألة ثقافية قابلة للاحتواء، لا قضية شعب يمتلك حقوقاً قومية وسياسية كاملة. فالاعتراف الحقيقي لا يتحقق عبر السماح بتدريس اللغة فقط، بل عبر منحها مكانتها القانونية داخل مؤسسات الدولة، على الأقل في غرب كردستان، كما هو معمول به في كثير من الدول متعددة القوميات.
الأمر ذاته ينطبق على اتفاق 29 كانون الثاني بين الحكومة السورية و«قسد». فالاتفاق، بحسب ما نُشر من بنوده، ركّز على ملفات دمج المؤسسات والقوات، وتنظيم الإدارة المحلية، وتسوية أوضاع التعليم والشهادات، إضافة إلى الحديث عن «مراعاة الخصوصية التعليمية للمكوّن الكردي». لكن الاتفاق تجنّب، بشكل واضح، الاقتراب من جوهر القضية الكردية: الاعتراف الدستوري الصريح بالشعب الكردي وحقوقه القومية والسياسية واللغوية.
وبذلك، بدا الاتفاق أقرب إلى تفاهم أمني وإداري يهدف إلى إعادة تنظيم العلاقة بين المركز وشمال شرق سوريا، لا إلى عقد سياسي جديد يؤسس لشراكة متساوية داخل دولة متعددة القوميات. فالقضية الكردية ليست مجرد قضية تعليم أو إدارة محلية، بل قضية شعب يعيش على أرضه التاريخية، وله لغة وهوية وحقوق جماعية لا يمكن اختزالها ضمن إطار «الخصوصية الثقافية».
ومن هنا تبرز مسؤولية الطرفين معاً.
فالرئاسة السورية المؤقتة، التي أصدرت المرسوم 13، لا تزال تتعامل بحذر شديد مع أي اعتراف دستوري حقيقي بالتعدد القومي، وكأن منح الكرد حقوقاً لغوية وسياسية كاملة يمثل تهديداً لوحدة البلاد. بينما تؤكد تجارب الدول الحديثة أن العكس هو الصحيح: إنكار الشراكة هو ما يهدد وحدة الدول، لا الاعتراف بها.
لقد كان بإمكان السلطة السورية الانتقال إلى مقاربة أكثر واقعية وعدالة، عبر الاعتراف بالكردية لغة رسمية إلى جانب العربية في المناطق الكردية، بما ينسجم مع طبيعة سوريا المتعددة قومياً ودينياً وطائفياً، ويؤسس لعقد وطني جديد يقوم على المساواة لا الهيمنة.
وفي المقابل، لا يمكن إعفاء الوفد المفاوض من قبل الإدارة الذاتية و«قسد» من المسؤولية السياسية. فقبول تفاهمات لا تتضمن ضمانات دستورية واضحة للحقوق القومية الكردية، وفي مقدمتها مسألة اللغة الرسمية والاعتراف السياسي بالشعب الكردي، يطرح تساؤلات حقيقية حول سقف التفاوض وحدود التنازلات المقدَّمة.
إذ إن اختزال القضية الكردية في إطار «الخصوصية التعليمية» أو «الإدارة المحلية» قد يحوّل الحقوق التاريخية إلى امتيازات إدارية مؤقتة، قابلة للتعديل أو التراجع عنها مع أي تغير سياسي مستقبلي. وهذا ما يجعل كثيراً من الأوساط الكردية السياسية والثقافية والمجتمعية تنظر بقلق إلى هذه التفاهمات، باعتبارها لم تمسّ جوهر المعضلة التاريخية المتعلقة ببنية الدولة السورية نفسها.
إن سوريا المستقبل لا يمكن أن تستقر عبر إعادة إنتاج مفهوم الدولة الأحادية، سواء بصيغ قومية أو دينية أو طائفية. فالواقع السوري، بحكم تركيبته الاجتماعية والتاريخية، يفرض الاعتراف الصريح بالتعدد القومي والثقافي والديني بوصفه أساساً لبناء دولة عادلة وحديثة.
وفي هذا السياق، فإن الاعتراف باللغة الكردية كلغة رسمية، ولو ضمن مناطقها الطبيعية، لا ينبغي النظر إليه كامتياز سياسي للكرد، بل كخطوة ضرورية نحو العدالة الدستورية والمواطنة المتساوية، وكجزء من إعادة تعريف الدولة السورية باعتبارها دولة لجميع مكوناتها، لا دولة قومية مغلقة.
أما الاكتفاء باعتبار الكردية «لغة وطنية» دون منحها مكانة رسمية حقيقية، فهو يعكس استمرار التردد السوري الرسمي في الانتقال من منطق الاحتواء الثقافي إلى منطق الشراكة السياسية الكاملة. ولهذا، فإن المرسوم 13 واتفاق 29 كانون الثاني، رغم أهميتهما السياسية والرمزية، ما زالا عاجزين عن تقديم إنصاف فعلي للشعب الكردي وحقوقه القومية المشروعة، ومن الضروري تدارك هذا الأمر في مجلس الشعب القادم وفي الدستور الدائم.
نحو مستقبل أكثر نضوجاً

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د . مرشد اليوسف التصعيد المؤسف حول اللوحة التعريفية للقصر العدلي بالحسكة يعكس واقعاً معقداً، حيث يبدو أن طرفي النزاع لا يرغبان بالجلوس لحل جذري للمشكلة . والخلاف لم يعد مجرد خلاف على لافتة، بل تحول إلى رمز لصراع سياسي أعمق، مما يجعله عرضة لاستغلال أطراف قد لا تريد نجاح عملية التفاهم والإندماج السلس . ولفهم سبب عدم الحل ،…

كردستان يوسف إنه لأمر مدهش كيف تتحول أبسط مقومات الوجود الإنساني في سوريا الى صراع، وكيف يصبح حق اللغة موضع جدال، وقضية يتم النظر إليها ضمن ازدواجية غريبة، فبينما تعتبر اللغة العربية ثوابت وطنية مقدسة، ينظر إلى اللغة الكردية نظرة دونية، فكيف وبعد أكثر من عقد من التعليم باللغة الكردية تطالب الحكومة المؤقتة في دمشق بإلغاء هذا النظام وإدراج اللغة…

حسن قاسم منذ أكثر من قرن، وما يزال الشعب الكوردي يعيش تداعيات تقسيم جغرافي وسياسي فرضته اتفاقيات دولية رسمت خرائط المنطقة وفق مصالح الدول الكبرى، وفي مقدمتها اتفاقية سايكس بيكو. ومنذ ذلك التاريخ تحولت كوردستان إلى قضية شعب مقسم بين عدة دول، محروم من حقه الطبيعي في تقرير مصيره، رغم كل التضحيات والانتفاضات التي قدمها عبر مراحل طويلة من التاريخ….

خالد حسو إن أي حديث عن العدالة في الدول المتعددة القوميات والثقافات لا يمكن فصله عن مبدأ الاعتراف بالتنوع، لا بوصفه تفصيلًا ثانويًا، بل كركيزة أساسية لمفهوم المواطنة المتساوية. إن قضية إزالة اللغة الكوردية من يافطة قصر العدل تطرح تساؤلات أعمق حول صورة الدولة في مؤسساتها العامة، ومدى انعكاس التعدد القومي والثقافي في رموزها، لأن الرموز ليست شكلًا إداريًا فقط،…