د . مرشد اليوسف
التصعيد المؤسف حول اللوحة التعريفية للقصر العدلي بالحسكة يعكس واقعاً معقداً، حيث يبدو أن طرفي النزاع لا يرغبان بالجلوس لحل جذري للمشكلة .
والخلاف لم يعد مجرد خلاف على لافتة، بل تحول إلى رمز لصراع سياسي أعمق، مما يجعله عرضة لاستغلال أطراف قد لا تريد نجاح عملية التفاهم والإندماج السلس .
ولفهم سبب عدم الحل ، من الضروري إدراك أن الأزمة الحالية هي نتيجة مباشرة للصراع الأوسع
حول الهوية وحدود الاعتراف بالخصوصية اللغوية والثقافية للمكون الكردي في المؤسسات الرسمية للدولة, وهو ما يجعل أي حل وسط معقدا .
والخلاف بدأ بإزالة الحكومة للغة الكردية من اللوحة، فتصاعد إلى أعمال عنف كتحطيم اللوحة، مما زاد من حدة الاستقطاب وعقّدت فرص الحوار الهادئ.
و تزامنت أزمة اللوحة مع “ملف الأسرى” الذي يمثل أولوية كبرى لدى الكرد
حيث تم ربط حذف اللغة الكردية بالمحاولة للضغط على الكرد عبر ملف الأسرى، مما زاد من حدة الموقف.
الأمر الذي وضع الطرفين في موقف متصلب منذ البداية.
وهذه الأزمة هي مجرد حلقة في مسار معقد لدمج “قسد” ومؤسساتها بالدولة السورية. وهناك تفاهمات جارية على أعلى المستويات، لكن تنفيذها يواجه تحديات يوظفها البعض كورقة ضغط لتسريع مكاسبهم أو تعطيل مسار الحل. والخلاف الأساسي حول “آلية إعادة افتتاح القصر ضمن تفاهمات جارية” جعله ساحة لاختبار النوايا وفرض شروط مسبقة بدلاً من البحث عن حلول توافقية.
والحقيقة لا يمكن إرجاع التصعيد إلى طرف واحد، فهناك عوامل متعددة تساهم في تعقيد المشكلة:
وهي عدم وجود الثقة الكافية بين الطرفين و هو العامل الأهم .
و كل طرف يفسر تصرفات الآخر على أنها تعنت.
والكرد يرون استبعاد لغتهم كدليل على أن الحكومة غير جادة في الاعتراف بحقوقهم الثقافية.
وهناك قوى داخل الحكومة السورية ترى أن أي تنازلات ثقافية أو لغوية للكرد هي مقدمة لتنازلات أكبر ، وتدفع لموقف حازم بحجة الحفاظ على وحدة الدولة .
والحقيقة أن تغذية التوترات في شمال شرق سوريا تخدم مصالح قوى إقليمية لا تريد استقرار سوريا أو تريد إضعاف نفوذ أطراف أخرى، مع استمرار تأثير الصراع التركي-الكردي كعامل ضغط دائم.
وبشكل عام فإن الوضع الحالي هو نتاج طبيعي للصراع السياسي المعقد، وليس مجرد سوء تفاهم عابر .
ولحل هذه الأزمة، لن يكفي الجلوس على طاولة الحوار، بل سيكون من الضروري تجاوز الأزمة الحالية باتخاذ خطوات عملية لبناء الثقة. وهذا يتطلب تقديم تنازلات من الجانبين، مثل اعتراف الحكومة بالحقوق الثقافية الكردية، وفي المقابل تقديم ضمانات أمنية وسياسية من قسد لطمأنة الحكومة.