عبد الجابر حبيب
لم يعد الفيسبوك مساحة للتواصل الاجتماعي، وتبادل الآراء فقط، لأنه بكلِّ أسف شديد قد تحوّل في كثيرٍ من الأحيان إلى ساحة مفتوحة للصراعات السياسية والإيديولوجية، يزرع فيها كل طرف بذور الحقد، والكراهية ضد الطرف الآخر. وأصبح بعض الناس يتعاملون مع السياسة بوصفها معركةً شخصية، لا تقبل النقاش، ولا تحتمل الاختلاف، حتى غدا كثيرون أشبه بمحامي دفاع دائمين عن الجهات التي يؤيدونها، يبررون أخطاءها، ويهاجمون كل من يقترب من نقدها.
وما إن يُنشر رأيٌ يتعلق بمحور سياسي معين، حتى تنهال التعليقات المليئة بالتخوين والإساءة والتجريح، وكأن صاحب الرأي ارتكب إثماً لا يُغتفر. والغريب أن الأشخاص أنفسهم قد يبررون الفعل ذاته إذا صدر عن شخص ينتمي إلى جماعتهم السياسية، أو الفكرية. وهنا يتجلى المعنى العميق لذلك المثل الكوردي الذي يقول:
“Şûjna di çavê xwe de nabîne, derziya di çavê xelkê de dibîne”
أي: “لا يرى المِخْياط الكبير في عينه، لكنه يرى الإبرة في عين غيره”.
وهو معنى قريب من القول العربي الشهير: “ترى القذى في عين غيرك، ولا ترى الجذع في عينك”.
فالإنسان حين تعميه العصبية، يصبح أكثر قسوة في الحكم على الآخرين، وأكثر تساهلاً مع أخطاء جماعته، وكأن الحقيقة ملكٌ حصريٌ لفريقه وحده.
وفي واقعنا الكوردي تبدو صورة الاستقطاب أكثر وضوحاً، إذ لا يخفى على أحد وجود مؤيدين ومعارضين لكل تيار، أو حزب سياسي، وهذا أمر طبيعي في أي مجتمع حي. لكن المشكلة تبدأ حين يظن كل طرف أنه الممثل الوحيد للكورد، وأن من يخالفه لا يملك الحق في التعبير أو الحضور.
ومن الغريب أن نسمع من يقول إن جهةً معينة “لا تمثل الكورد”، وكأن الجهة الأخرى تمثلهم جميعاً دون استثناء. والحقيقة أن أي قوة سياسية لا تستطيع الادعاء بأنها الصوت الوحيد للشعب، لأن الحكم على حجم التمثيل، والشعبية لا يكون عبر منشورات الفيسبوك ولا عبر الجيوش الإلكترونية، بل عبر انتخابات حقيقية، ونزيهة تعبّر عن إرادة الناس بحرية.
وقديماً قال الفيلسوف الفرنسي فولتير: “قد أختلف معك في الرأي، لكنني مستعد أن أدفع حياتي ثمناً لحقك في التعبير عنه”.
ورغم أن المجتمعات الشرقية كثيراً ما تتغنى بقيم التسامح، إلا أن الواقع الرقمي اليوم يكشف هشاشة ثقافة الاختلاف لدينا، إذ تحوّل الرأي المخالف إلى تهمة، والنقد إلى خيانة، والحوار إلى معركة كسر إرادات.
ومن الأمثلة التي أثارت كثيراً من الجدل، ما تعرضت له السيدة فصلة يوسف من هجوم بسبب تصريحاتها المتعلقة باللغة الكوردية والزي الكوردي أثناء القسم. والحقيقة أن من حق أي شخصية كوردية أن تعبّر عن هويتها الثقافية كما تشاء، تماماً كما يفعل غيرها. كما أن عبارة “يتكرم علينا الرئيس” التي أُثير حولها الجدل، جاءت ضمن سياق معروف ومتداول منذ بداية الحديث عن تشكيل مجلس الشعب وآلية اختيار بعض أعضائه.
لكن المشكلة في مواقع التواصل أن الناس لا تستمع لتفهم، بل تستمع كي ترد وتهاجم. ولذلك يتحول أي تصريح إلى ساحة اشتباك، لا لأن الكلام خطير بالضرورة، بل لأن النفوس مشحونة مسبقاً.
وقد قال الإمام الشافعي: “رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”.
وهي عبارة تختصر معنى النضج الفكري الذي نفتقده اليوم في كثير من نقاشاتنا الإلكترونية. فليس المطلوب أن نتخلى عن قناعاتنا، بل أن نعترف بحق الآخرين في امتلاك قناعات مختلفة.
إن المجتمعات لا تُبنى بالإقصاء ولا بثقافة التحريض، لأن من يكسر الآخر اليوم، قد يجد نفسه مكسوراً غداً بالطريقة ذاتها. ولهذا يقول المثل العربي: “كما تدين تُدان”.
وحين ينتقص الإنسان من قيمة أخيه المختلف معه، فإنه يفتح نافذةً للآخرين كي يقذفوه بالحجارة نفسها. لذلك فإن أكثر ما نحتاج إليه اليوم هو خطاب متزن، يعترف بالتعددية، ويحترم حق الاختلاف، ويؤمن أن الحقيقة لا يسكنها حزب واحد، ولا يحتكرها تيار واحد، ولا يمكن اختصار شعب كامل في رأي مجموعة أو جهة سياسية بعينها.
ليست هكذا تُورد الإبل يا أيها النبيل.
فهل يأتي ذلك اليوم الذي نجد فيه داخل ذواتنا شيئاً من جمال الفكر والأدب، بدل هذا الشغف الدائم بتحطيم الآخر وإقصائه؟
وكأنني، وسط هذا الضجيج، أستعين بكلمات الشاعر :
والذي نفسُه بغيرِ جمالٍ
لا يرى في الوجودِ شيئاً جميلاً