الشعب الكردي بين الإنكار والانتماء في سوريا الجديدة (الحقوق الثقافية واللغوية نموذجاً)

كردستان يوسف

إنه لأمر مدهش كيف تتحول أبسط مقومات الوجود الإنساني في سوريا الى صراع، وكيف يصبح حق اللغة موضع جدال، وقضية يتم النظر إليها ضمن ازدواجية غريبة، فبينما تعتبر اللغة العربية ثوابت وطنية مقدسة، ينظر إلى اللغة الكردية نظرة دونية، فكيف وبعد أكثر من عقد من التعليم باللغة الكردية تطالب الحكومة المؤقتة في دمشق بإلغاء هذا النظام وإدراج اللغة الكردية كمجرد مادة اختيارية أسبوعية.

وعلى الرغم من أصدار الرئيس السوري أحمد الشرع مرسوماً رئاسياً حمل الرقم 13، يقر بأن الكرد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري ويعترف باللغة الكردية كلغة وطنية، وهذا المرسوم الذي تم وصفه بأنه تاريخي كونه أول اعتراف رسمي منذ استقلال سوريا عام 1946، ولكن تبقى التفسيرات القانونية للمرسوم مفتوحة على أكثر من جهة، فمن توصيف الوجود التاريخي للشعب الكردي في سوريا بالمجتمع الكردي، وطرح مصطلح المجتمع الاصيل، واعتبار الكردية لغة وطنية، بمعنى أنها لغة التداول والتفاهم بين الكرد، وليست لغة رسمية للتعليم وللإستخدام في المكاتب الحكومية، وهنا تكمن الفجوة بين القانون والممارسة، فالاعتراف الشكلي لم يرفق بإرادة سياسية حقيقية لتمكين اللغة في المجتمع السوري والمستوى السياسي الثقافي الحكومي، رغم أن الحقوق اللغوية مصانة حسب الشرائع الدينية و لائحة حقوق الانسان، فإن الحقوق اللغوية لا تحمى بمراسيم مؤقتة، بل بدساتير دائمة تعبر عن إرادة الشعوب، وان ما يحدث في سوريا اليوم ليس سوى تكرار لنمط المواطنة بالتقسيط، نمط تدفع فيه الهوية الكردية الثمن كل مناسبة وفي كل منعطف، فكلما تم السير خطوة نحو الاندماج والتسوية، يقع على الكردي أن يتراجع خطوتين تارة بالتخلي عن مادة دستورية لم تكتب بعد، وتارة بقبول تهميش لغته تحت ذرائع إدارية، وتارة بصهر خصوصيته في بوتقة “الأمة الواحدة”.

ولأن التعايش الحقيقي لا ينمو في مناخات التنازلات أحادية الجانب، فإن الوضع يتطلب إعادة تعريف مفهوم “الوطنية” ذاته، ولا يمكن أن تبنى سوريا الجديدة دون مراعاة الحقوق الثقافية واللغوية لكل مكونات سوريا ومنها بالدرجة الأولى الشعب الكردي.

وختاماً: يمكن القول بأن الدول الواثقة من نفسها لا تخشى التنوع اللغوي والتعدد، لأن التعدد ليس تهديداً للوطن ولوحدته، بل علامة نضجها وثرائه، والاعتراف باللغة الكردية ليس تنازلاً سياسياً، بل تصحيحاً أخلاقياً، وتطبيقاً لشرائع الله التي أقرت خلق الانسان والألسن.
فالقضية ليست حروفاً تُكتب، بل بشراً يريدون أن يتحدثوا و يكتبوا بلغتهم، وان يتعلم أبناءهم بلغتهم الأم.. القضية هي أن يعيش الكردي حراً مستمتعاً بحقوقه عارفاً واجباته تجاه الوطن، فهل آن الأوان لسوريا الجديدة أن تدرك أن السلام لا يبنى إلا على الاعتراف بحقوق الجميع في الوطن وأن الوطن ليس لأحد بعينه أو لغته ، وانما الوطن للجميع، كما أن الله للجميع.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…