حسن قاسم
منذ أكثر من قرن، وما يزال الشعب الكوردي يعيش تداعيات تقسيم جغرافي وسياسي فرضته اتفاقيات دولية رسمت خرائط المنطقة وفق مصالح الدول الكبرى، وفي مقدمتها اتفاقية سايكس بيكو. ومنذ ذلك التاريخ تحولت كوردستان إلى قضية شعب مقسم بين عدة دول، محروم من حقه الطبيعي في تقرير مصيره، رغم كل التضحيات والانتفاضات التي قدمها عبر مراحل طويلة من التاريخ.
اليوم، ومع حجم التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، عاد الحديث مجدداً عن ضرورة قيام مشروع قومي كوردستاني عابر للحدود المصطنعة، مشروع ينطلق من وحدة الشعب الكوردي ومصيره المشترك، ويؤسس لمرحلة سياسية جديدة تتجاوز الانقسامات الحزبية والحدود التي فرضتها ظروف القرن الماضي.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل يمكن لهذا المشروع أن يحظى بمباركة القوى العظمى؟ أم أنه سيبقى مجرد حلم قومي يصطدم بجدار المصالح الدولية؟
الواقع السياسي يقول إن العلاقات الدولية لا تُبنى على العواطف ولا على عدالة القضايا وحدها، بل على المصالح الاستراتيجية. فالقوى الكبرى، سواء كانت الولايات المتحدة أو روسيا أو الدول الأوروبية، تنظر إلى المنطقة من زاوية الأمن والطاقة والاستقرار والتوازنات الجيوسياسية، وليس فقط من زاوية حقوق الشعوب.
هذا لا يعني أن القضية الكوردية تفتقد للشرعية، بل على العكس تماماً. فالشعب الكوردي يمتلك كل المقومات التي تجعله شعباً مستحقاً لحق تقرير المصير وفق المواثيق الدولية وميثاق الأمم المتحدة. لكن المشكلة تكمن في أن المجتمع الدولي غالباً ما يتعامل بازدواجية واضحة؛ فهو يدعم حقوق الشعوب عندما تنسجم مع مصالحه، ويتجاهلها عندما تتعارض مع حساباته وتحالفاته الإقليمية.
ومن هنا، فإن أي مشروع قومي كوردستاني لن يحصل على دعم دولي حقيقي لمجرد عدالة قضيته، بل عندما يتحول إلى عنصر استقرار ومصلحة للقوى المؤثرة في العالم.
القوى العظمى لا تدعم الكيانات الضعيفة أو المنقسمة، بل تبحث عن شركاء يمتلكون: رؤية سياسية واضحة، مؤسسات قوية، إدارة ناجحة، اقتصاداً قابلاً للحياة، وخطاباً عقلانياً بعيداً عن المغامرات والشعارات الانفعالية.
لذلك فإن نجاح أي مشروع كوردستاني مستقبلي مرتبط أولاً بالبيت الكوردي الداخلي قبل أي عامل خارجي.
فهل من المنطق أن يطالب الكورد العالم بدعم مشروعهم القومي بينما هم عاجزون عن تجاوز خلافاتهم الحزبية الضيقة؟ وهل يمكن إقناع المجتمع الدولي بمشروع سياسي كبير في ظل الانقسامات والصراعات والتخوين المتبادل؟
إن المرحلة الحالية تتطلب ولادة عقل سياسي كوردستاني جديد، عقل يؤمن بأن بناء المؤسسات أهم من صناعة الشعارات، وأن احترام إرادة الشعب أهم من احتكار القرار الحزبي، وأن وحدة الصف القومي لا تعني إلغاء التنوع بل تنظيمه ضمن مشروع وطني جامع.
الحزب الكوردستاني العابر للحدود، إذا كتب له أن يولد، يجب ألا يكون نسخة جديدة من تجارب أيديولوجية مغلقة، بل مشروعاً ديمقراطياً عصرياً يؤمن بالشراكة والتعددية وحقوق الإنسان، ويعمل على بناء شبكة علاقات دولية متوازنة، لا الدخول في محاور إقليمية تستنزف القضية الكوردية.
لقد أثبتت التجارب أن العالم قد يتعاطف مع الشعوب المضطهدة، لكنه لا يغامر بمصالحه من أجلها إلا عندما تتحول تلك الشعوب إلى قوة منظمة وقادرة على فرض نفسها كحقيقة سياسية على الأرض.
من هنا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل تؤيد القوى العظمى المشروع الكوردستاني؟
بل أصبح: هل استطاع الكورد حتى الآن تقديم مشروع موحد وواقعي وقادر على إقناع العالم بأنه عامل استقرار لا عنصر أزمة جديدة في المنطقة؟
عندما ينجح الكورد في بناء نموذج سياسي ناجح، ديمقراطي ومستقر، وعندما تتحول قضيتهم من حالة انقسام دائم إلى مشروع مؤسساتي جامع، فإن العالم سيتعامل معهم بطريقة مختلفة تماماً.
ففي السياسة الدولية، لا مكان للضعفاء مهما كانت قضيتهم عادلة، أما الشعوب التي تنجح في تنظيم نفسها وفرض حضورها السياسي، فإن العالم يضطر في النهاية إلى الاعتراف بها واحترام إرادتها.