المحامي محمود عمر
لا يخفى على أحد بأن حزب الوحدة ومنذ نشأته قد انتهج في نضاله خطا سياسيا متمايزا عن بقية الفوى السياسية في الحركة الكوردية ، ومارس العمل السياسي كفكر قائم على العلم والمعرفة،وعمل جاهد لبلورة شخصية اعتبارية قوية ومتماسكة للقضية الكوردية في سوريا لا تقل شأنا ووزنا عن القضية الكوردية في بقية أجزاء كوردستان، ولذلك كان يدعو إلى اقامة علاقات مع القوى الكوردستانية على قاعدة المساواة والاحترام المتبادل لخصوصية كل جزء، وبما يخدم القضية الكوردية عموما بعيدا عن سياسة الولاءات والتبعية .
وعلى صعيد القضية الكوردية في سوريا كان الحزب يسعى دوما لجعل القضية الكوردية قضية وطنية بامتياز يحمل هم حلها كل السوريين لذلك ناضل الحزب وفق خطين متوازيين، خط قومي كوردي وآخر وطني سوري، وكان يدعو إلى وحدة الموقف السياسي الكوردي في سوريا ورأى ان ذلك يتحقق عبر مؤتمر قومي يضم معظم القوى الكوردية والمهتمين بالشأن العام والى وحدة الموقف الوطني السوري عبر مؤتمر سوري جامع ،وللانفتاح على الوسط السوري كان لا بد من كسر قيود الاستبداد والخوف عبر أساليب نضالية سلمية جديدة أمضى لأجلها العشرات من كوادر الحزب أعواما من أعمارهم خلف القضبان تعرضوا خلالها إلى صنوف من أساليب التعذيب الوحشي الجسدي والنفسي ، وكان رهان الحزب في كل ذلك يعتمد على عدالة ومشروعية القضية الكوردية ووفاء وإخلاص مناضليها، واتبع لأجل سياسة اعلامية رصينة ، فبالتوازي مع الجريدة المركزية للحزب كان الصدور الدوري لصحيفة (نوروز) باللغة الكوردية، وصحيفة الرأي الآخر التي تقلصت فيما بعد وأصبحت جزءا من صفحات الجريدة المركزية ،وإشراف الحزب ودعمه لصدور مجلة (الحوار) التي تدعو إلى الحوار الكوردي العربي والتي استطاعت استقطاب العشرات من الأقلام العربية للكتابة على صفحاتها وأصبحت مجلة (الحوار ) من المجلات الرصينة و المحكمة ومرجعا للعديد من مراكز الدراسات الاقليمية والعالمية فيما يخص الشأن الكوردي والسوري. وإضافة إلى ذلك كان صدور التقرير السياسي الشهري للحزب والذي يتضمن قراءة سياسية وواقعية للمشهد السوري العام والكوردي الخاص بمثابة محطة سياسية هامة لا يقف عندها فقط أعضاء ومؤيدي الحزب بل أن العديد من القوى الكوردية والوطنية كانت تصرح بأن التقرير السياسي لحزب الوحدة يقرأ ويناقش في معظم اجتماعاتهم الرسمية وغير الرسمية ، كل ذلك العمل النضالي التراكمي المستمر جعل من حزب الوحدة أحد أهم القوى السياسية ليس على المستوى الكوردي فحسب بل وعلى المستوى الوطني السوري العام وأصبح للحزب قاعدة جماهيرية واسعة من المؤيدين والمؤازرين والأصدقاء وبخاصة من المثقفين والسياسيين والمستقلين المهتمين بالشأن العام.
غيُب القدر (اسماعيل عمر) عن حزب الوحدة وأهله ومحبيه ومع غيابه غاب التقرير السياسي للحزب حينها أدرك القاصي والداني بأن محرر ذلك التقرير كان المرحوم(ابا شيار)،ولأن( أبا شيار) لم يكن مجرد رئيس للحزب بل أنه كرس جل حياته للحزب، ويصح القول بأن الحزب كان يمشي مع اسماعيل عمر في كل تفاصيل حياته ،وبغيابه لم يغب التقرير السياسي فقط بل أن الغياب قد أحدث فراغ شاملا وأسقط ورقة التوت التي كانت تستر العورة السياسية لقيادة الحزب و لم تستطع هذه القيادة ملأ الفراغ الذي أحدثه غياب (أبا شيار) بل أن الظروف المعقدة التي أوجدتها الأزمة السورية بعد عام2011م أضافت إلى غياب اسماعيل عمر لتدخل قيادة الحزب في سباتها السياسي الطويل ومع هذا السبات وتراجع دور الحزب على كافة الاصعدة وظل السؤال المحير لدى الكثير من رفاقه أين نحن وما هو موقع الحزب وتوجهاته الأسئلة التي زادت وتراكمت مع عجز قيادة الحزب عن عقد مؤتمر الحزب لمدة زادت عن ثلاثة عشر عاما ولم ير المؤتمر النور الا بعد سقوط الطاغية وتحت حجج واهية وغير مقنعة وطيلة هذه المدة غاب الوجه السياسي لحزب الوحدة، وأصيب من ساسه إلى رأسه بداء الكسل والتململ وصدرت بعض نشراته على استحياء وجاء المال السياسي الفاسد مترافقا مع بقية شروط الازمة السورية ليضيف عاملا آخر في نهش جسد الحزب الذي تعرض لأكثر من عملية انشقاق ومعها كان هناك عزوف العشرات من رفاقه العمل الحزبي، ونتيجة الضغوط المتزايدة من أعضاء الحزب وغياب آلة الاستبداد عقد الحزب بالبقية الباقية من منتسبيه مؤتمره الثامن وكان من ضمن قراراته ضرورة التزام قيادة الحزب بإصدار التقرير السياسي، كان آخرها التقرير الذي بين أيدينا والذي جاءت لغته بسيطة وبعيدة عن التحليل السياسي ولا يحمل التقرير في معظم ما تضمنه سوى قراءة سطحية وضحلة للوقائع يستطيع أي شخص مهتم بالشأن العام ومتابع لنشرات الأخبار ومواقع التواصل ان يحرر مثل هذا التقرير وبخاصة ما ذكره التقرير حول مجريات الحرب الأخيرة وواقع الحياة السورية المستجد، وليت التقرير وقف عند هذا الحد بل انه مال نحو التشخيص حين ذكر الأطراف الكوردية في سورية بالإسم، ونعتها بالتبعية لهذا الطرف الكوردستاني أو ذاك وأمعن التقرير في التشخيص وسماها كذلك بالإسم، وذلك حين تحدث التقرير عن عدو الالتزام بمخرجات ( كونفرانس نيسان)، وهرولتها نحو دمشق كلا على حدا سعيا وراء المناصب والمكاسب، وهنا نؤكد بأن التقرير كان بغنى عن ذلك وان كان ما ورد في التقرير من أحداث وقعت بالفعل هو من قبيل الحق الذي أريد به باطل والتقرير ففي ذلك لم يكشف عن سر جديد ومحجوب عن عامة الناس وخاصتهم بل أن أمعان التقرير في ذلك يدخل في خانة التدخل في شؤون الغير ووجهات نظرهم وهو ما لا يعنينا وهو ما لا نرضاه في حزب الوحدة لأنفسنا، ويخالف سياستنا ومبادئنا، وان هذا التشخيص الذي يعتبر نوعا من التهاتر السياسي قد أفقد التقرير البقية الباقية من أهميته، ففي كل العلوم قد تقال الحقائق كما هي وتسمى الأشياء بمسمياتها إلا في علم السياسة ـ ولذلك أطلق عليه علم السياسةـ فإن الحقائق والأشياء لا تقال أو تعرف إلا بالصيغة التي تحقق الأهداف المرجوة منها وهي المبادئ التي قام عليها حزب الوحدة في تعريفه وممارسته للسياسة كونه علم يقوم على الافكار والمعرفة وقوة المنطق والابتعاد عن التشخيص والتجريح والمهاترات وختاما نقول: (ياريتك يا ابا زيد ما غزيت).