العرب الغمر: أرض سُلبت وحق لم يُحسم

خوشناف سليمان

 

أعاد السيد أمين كلين، قبل فترة، فتح ملف“ العرب الغمر“ في مقال نشره على موقع „ولاتي مه“ بعنوان „قضية فلاحي الغمر والأراضي المصادرة“، مسلطاً الضوء على كونها قضية تاريخية شائكة تتجاوز مجرد خلاف على الملكية.

فقد نشأت هذه المشكلة، كما هو معروف، في سياق سياسات تمييزية انتهجتها قيادة حزب البعث خلال حكم الأسد الأب والابن، واستهدفت الأرض والإنسان معاً تحت غطاء قانوني تمثل في إجراءات مثل „الإحصاء“ و“الحزام العربي “.وفي جوهرها، لم تكن تلك السياسات سوى محاولة لإعادة تشكيل البنية السكانية في منطقة ذات غالبية كردية، عبر مصادرة الأراضي من أصحابها الأصليين ومنحها لوافدين عرب جرى تمكينهم بقرارات سياسية ودعم مادي. وتمحورت هذه المقاربة حول حرمان السكان الكرد من أراضيهم، وتغيير أنماط الملكية والطابع الديموغرافي للمنطقة. وبناءً على ذلك، فإن المسألة تمثل مساساً بالحقوق التاريخية وتهديداً للاستقرار الاجتماعي الذي تشكّل عبر أجيال .ويكمن خطر هذه القضية في المنطق الذي حكمها؛ إذ تعاملت الدولة السورية مع الملف كحقل للتجريب السياسي ووسيلة لإعادة الهندسة السكانية. ولم تكتف بحرمان السكان من أراضيهم، بل سعت إلى فرض واقع جديد. وهنا يتضح أن الهدف لم يكن تنظيم الملكية بقدر ما كان إعادة تعريف من يملك الأرض ومن يُسمح له بالبقاء فيها.

وإذا كان هذا هو السياق الذي نشأت فيه القضية، فإن ما يفرض نفسه اليوم هو كيفية التعامل مع إرثها. فبعد سقوط النظام الذي أنتج هذه السياسات ورسخها، لم يعد مقبولاً بقاء هذا الملف خارج النقاش العام، أو تأجيله إلى أجل غير مسمى بذريعة «الظروف». فالعدالة الانتقالية لا تُقاس بالخطب والشعارات، بل بقدرتها على فتح الملفات التي طال إغلاقها، وفي مقدمتها ملف مصادرة أراضي الكرد في الجزيرة السورية.

ومن هنا، تقع المسؤولية الأولى على عاتق الأحزاب الكردية. فهذه القضية ليست مادة سياسية هامشية، بل اختبار مباشر لمدى جدية هذه الأحزاب في الدفاع عن الحقوق. والمطلوب اليوم ليس مجاملات أو خطاب عام عن التعايش، بل تحرك سياسي وقانوني واضح، يبدأ بتوثيق شامل لحالات المصادرة، ويستند إلى بناء ملف قانوني متماسك، وصولاً إلى طرحه كأولوية على طاولة السلطة الانتقالية.

غير أن هذه المسؤولية لا تقتصر على الأحزاب وحدها، بل تمتد أيضاً إلى الجهات التي تولت إدارة الواقع القائم خلال السنوات الماضية. وفي هذا السياق، يُلاحظ أن الإدارة الذاتية لم تُظهر ما يكفي من الجرأة السياسية أو الجدية العملية لفتح هذا الملف كما ينبغي. بل بدا أحياناً أن ثمة ميلاً إلى تمرير القضية تحت عناوين عامة ومطمئنة، من قبيل „أخوة الشعوب“ و“ التعايش المشترك“، من دون مواجهة صريحة لجذر المشكلة: الأرض المصادرة والحق المهدور.

إن الشعارات، مهما تلونت، لا تُعيد الأرض إلى أصحابها، ولا تُصلح ظلماً جرى تثبيته بالقوة. والمطلوب اليوم موقف لا يحتمل التأجيل: لا بد من تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية؛ مصادرة ذات طابع سياسي عنصري، وتغيير ديموغرافي مقصود، وإجحاف تاريخي بحق الفلاح الكردي. وما لم يُفتح هذا الملف بجدية، ويُدفع نحو مسار قانوني وسياسي واضح، فإن الحديث عن الإنصاف سيبقى ناقصاً. فاستعادة الأرض ليست مطلباً رمزياً، بل شرط أساسي لأي تسوية عادلة. ومن دون رد الحقوق إلى أصحابها، لن تُطوى الصفحة، بل ستبقى مفتوحة على جرح مؤجل واحتمال دائم للانفجار.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أمين شيخ كلين ياسادة الافاضل : الرئيس البارزاني في دمشق ، بدعوة رسمية من الرئيس أحمد الشرع ، واستقبال رسمي في قصر الشعب السوري وحسب البروتوكول الرياسي المعتمد ، الملفت للانتباه هو رفع العلم الكردستاني لأول مرة في تاريخ سورية منذ نشأتها ، لان الحكومات السورية المتعاقبة ودون استثناء حاربت الأكراد وقضيتهم بكل الوسائل وبلاهوادة ومشروعي الإحصاء والحزام العربي ثم…

عبد الرحمن حبش ليس كل قائد يستطيع أن يحول حضوره إلى رسالة وليس كل زيارة تكتب في بروتوكولات السياسة فقط بل هناك زيارات تسجل في ذاكرة الشعوب. لقد جاءت زيارة فخامة الرئيس نيجيرفان بارزاني إلى دمشق ولقاؤه برئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع لتؤكد أن القضية الكوردية حاضرة بقوة وأنها لا يمكن تجاوزها في أي معادلة تخص مستقبل سوريا والمنطقة….

د. محمود عباس لا يمكن وضع الولايات المتحدة وإيران في كفتي ميزان واحدة، ثم طرح السؤال ببساطة، من ربح الحرب؟ لأن هذا السؤال، بصيغته المباشرة، يفترض منذ البداية أن الطرفين قوتان من طبيعة واحدة، وأنهما تخوضان الحرب بالمفهوم نفسه، وتقيسان الربح والخسارة بالمعايير ذاتها. وهذا، في تقديري، هو موضع الخطأ الأول في معظم القراءات التي تناولت المواجهة بينهما. المسألة أعمق…

لأول مرة في تاريخ سوريا، يكتب الرئيس السوري أحمد الشرع تغريدة باللغة الكردية، بمناسبة زيارة رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني إلى دمشق. وتكتب اللغة الكردية في سوريا وتركيا بالحروف اللاتينية، وليس بالحروف العربية كما هو الحال في اقليم كردستان العراق، حيث تستخدم السورانية المكتوبة بالأبجدية العربية المعدلة. وفيما يلي نص تغريدة الرئيس السوري أحمد الشرع: أحمد الشرع…