نظام مير محمدي *
يجادل البعضُ أن دخول الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب، وبين النظام الإيراني من جانبٍ آخر شهرها الثالث، يدل على قوة ومناعة هذا النظام واستحالة سقوطه، ولاسيما بالأخذ بنظر الاعتبار حرب الأيام الـ 12 وكذلك العقوبات والضغوط الدولية المختلفة المفروضة عليه، وهم يخلصون إلى القول بوجوب تقبل العالم له كحقيقةٍ وكأمرٍ واقعٍ لا مفر من التعايش معه.
بدايةً، من المهم والمفيد لمن يريد أن تكون له رؤيةٌ دقيقةٌ واقعيةٌ لهذا النظام مستندةٌ على أسسٍ ومقوماتٍ من الواقع الخاص به، فمن الضروري أن يأخذ ملاحظةً مهمةً بنظر الاعتبار والأهمية، وهي أنه ليس كنظامٍ تقليديٍ يمكن مقارنته وتشبيهه بباقي الأنظمة السياسية في العالم، بما فيها الأنظمة ذات الطابع الدكتاتوري، إذ هو في الحقيقة والواقع نظامٌ فريدٌ من نوعه ولاسيما من حيث استغفال الشعوب من خلال استخدام الدين وتوظيفه بأسلوبٍ ونمطٍ يختلف عن كل النماذج والتجارب السابقة والمعاصرة له.
بهدف ضمان بقائه وعدم تعرضه للانتقاد، قام هذا النظام ومنذ البداية بإضافة شيءٍ من الديمقراطية الشكلية لمؤسساته وزعمه بكونه دولة مؤسساتٍ، وإن السلطات الثلاث تتمتع بالاستقلالية عن بعضها، وحتى الادعاء بأن الشعب هو من يحكم، ولكن وعند التمعن في نظرية ولاية الفقيه التي بُني النظام على أساسٍ منها، فإنه يتبين بأن كل ما زعمه ويزعمه النظام باستقلالية السلطات وحكم الشعب وإرادته محضُ هراءٍ، إذ أن الحاكم المطلق في إيران في ظل هذا النظام هو شخص الولي الفقيه تحديداً ومن دون منازع.
ومن دون شك، فإن النظام وعندما قام بجعل بنيته وهيكليته بتلك الصورة التي ذكرناها، فإن هدفه الأساسي كان تحقيق هدفين مهمين هما:
ـ إظهار نفسه كأي نظامٍ سياسيٍ آخر في العالم من حيث سلطاته الثلاث ومؤسساته المختلفة.
ـ الإيحاء بأن الشعب الإيراني يتمتع بكافة حقوقه الأساسية وله إرادته الحرة في فرض ما يراه مناسباً وملائماً له.
وبهذه الواجهة الخشبية خدع واحتال على العالم ولاسيما على البلدان الديمقراطية، وأخفى خلفها وحشاً فتك ويفتك بالشعب الإيراني من خلال أنظمةٍ صارمةٍ لا تنتمي لهذا العصر بصلةٍ، ومهمة هذا الوحش الذي هو أقرب ما يكون للمسخ المشكَّل من جملة أجهزةٍ ومؤسساتٍ قمعيةٍ ـ أمنيةٍ مدججةٍ بكل وسائل القمع والبطش، هي ضمان المحافظة على بقائه والقضاء على كل ما يحول ويعمل دون ذلك.
وبهذا السياق، فإن ديمومة النظام الإيراني لا تنبع من وحدةٍ أيديولوجيةٍ. فحقيقة عدم تفككه بعد فقدان كبار قادته العسكريين والسياسيين تكشف العكس تماماً: إن تماسكه لا يستند إلى مُثلٍ مشتركةٍ، بل إلى مصلحةٍ جماعيةٍ مجردةٍ تتمثل في غريزة البقاء. إن كل عنصرٍ في حرس النظام الإيراني وميليشيا الباسيج يدرك جيداً أنه في حال انهيار النظام، فإن عقوداً من النهب وسفك الدماء ستطلق العنان لغضبٍ مجتمعيٍ كاسحٍ سيلتهمهم. وبلا ملاذٍ آمنٍ للفرار، فإنهم يتشبثون ببعضهم البعض طالما بقيت البنادق في أيديهم.
وعلى مدار أربعة عقود، صب النظام الكهنوتي موارده في مدن الصواريخ تحت الأرض، والأجهزة الأمنية المتداخلة، والجيوش الوكيلة في الخارج. لكن هذا التركيز الأعمى على البقاء جاء بثمنٍ باهظٍ؛ فالاستثمارات ذاتها التي حصنت النظام ضد الصدمات الخارجية، أفرغت البلاد من التنمية والبنية التحتية، وترکت الاقتصاد في حالة خرابٍ، ودفعت شعباً متعلماً وواعياً سياسياً للوصول إلى قناعةٍ تامةٍ بعدم وجود أي مسارٍ للإصلاح في ظل هذا الهيكل.
ولا أحد يجادل في القدرة القمعية لحرس النظام الإيراني وميليشياته الواسعة. غير أن سلوك النظام الإيراني في الأشهر الأخيرة يكشف أن رعبه الأكبر ليس من غزوٍ أجنبيٍ، بل من التحام مجتمعٍ يغلي بالغضب مع مقاومةٍ منظمةٍ، متمرسةٍ، ولا تهاب الموت. ومنذ عام 2017، شهدت إيران انتفاضاتٍ وطنيةً متكررةً، رد عليها النظام بوضع المدن تحت الأحكام العرفية الفعلية؛ حيث نشر عشرات الآلاف من القوات عند نقاط التفتيش، وشن حملات اعتقالٍ جماعيةٍ. هذه ليست مجرد استعراضاتٍ إعلاميةٍ، بل هي استعداداتٌ لحربٍ داخليةٍ شاملةٍ. إن التعبئة الداخلية الواسعة للنظام هي أوضح دليلٍ على أنه يدرك هذه الديناميكية الاجتماعية العميقة أفضل بكثيرٍ من العديد من المحللين الخارجيين.
إن الذي يهيمن على النقاشات حول مستقبل إيران، يبدو في ظاهره حاسماً، لكنه خاطئٌ بامتيازٍ. إن معادلة إسقاط النظام الإيراني – والحل الجذري الوحيد – ليست عسكريةً، بل هي معادلةٌ اجتماعيةٌ بحتةٌ. والنظام نفسه يثبت هذه الحقيقة يومياً، دون قصدٍ، من خلال طريقة نشره لقواته، واختياره لأهدافه، ووحشيته في معاقبة سجنائه. لقد باتت استراتيجيته للبقاء هي أوضح اعترافٍ بنقاط ضعفه.
الحل الحقيقي لمواجهة الأزمة
إن الحل لمواجهة الأزمة المتصاعدة التي خلقها نظام ولاية الفقيه المصدر للأزمات للشعب الإيراني وللمنطقة بأسرها، هو ما أعلنته السيدة مريم رجوي في خطابها أمام البرلمان الأوروبي بتاريخ 22 نيسان (أبريل) 2026، وذلك على النحو التالي:
لقد دفع نظام الملالي بإيران نحو الكارثة، وزعزع أركان السلم والأمن الإقليمي والدولي. إن الرد على هذا النظام لا يكمن في سياسة الاسترضاء ولا في الحرب الخارجية. الرد، كما كررتُ مراراً، هو الانتفاضة المنظمة وجيش التحرير. إن أولئك الذين يتجاهلون عامل الشعب والمقاومة في المعادلة الإيرانية، يقدمون المساعدة لاستمرار النظام الكهنوتي بأي ذريعة كانت. هذه هي النقطة المركزية لسياسة الاسترضاء. يدرك الجميع أن أهم خط أحمر أملاه النظام على الحكومات الأوروبية هو الاقتراب من المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية. إن الامتثال لمطلب النظام ليس خطأً في الحسابات، بل هو اختيار له عواقب سياسية وأخلاقية. وفي المقابل قدمت المقاومة الإيرانية بديلًا ديمقراطيًا و هو حل نابع من عشرات السنين من النضال المتجذر للشعب الإيراني. النضال الذي يرفض كلتا الدكتاتوريتين السابقة والحالية.
* كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني