اكرم حسين
عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول.
لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية تكمن في أن معظم المنتقدين توقفوا عند توصيف النتائج، ولم يذهبوا إلى جوهر السؤال: ماذا بعد؟ وهل يمكن للكرد أن يتحملوا كلفة فشل الوحدة أو التخلي عنها؟
الإجابة الواقعية تؤكد أن الوحدة الكردية ليست خياراً سياسياً قابلاً للأخذ والرد، بل هو الشرط الموضوعي لأي حضور كردي فاعل في مستقبل سوريا. فالمعادلات الإقليمية والدولية لا تعترف إلا بالأطراف القادرة على تنظيم نفسها وتقديم خطابها ، وأي انقسام كردي سيُترجم تلقائياً إلى تهميش سياسي، وربما إلى إقصاء كامل من معادلات الحل.
ما يعيق تفعيل مخرجات الكونفراس ، وعلى رأسها الوفد الكردي المشترك، لا يعود إلى تعقيدات المرحلة فقط ، بل يرتبط بشكل مباشر بطبيعة الذهنية السياسية التي ما زالت تحكم بعض القوى الكردية النافذة رغم كل ما حصل ، تلك التي ترى في الشراكة تهديداً لمصالحها ، وهنا لا بد من التأكيد أن استمرار هذه الذهنية سيقود حتماً إلى إفراغ أي مشروع وحدوي من مضمونه، وتحويله إلى بروبغندا إعلامية .
ومع ذلك، فإن الإقرار بهذه الإشكاليات لا يعني التسليم بالفشل، بل يجب أن يكون حافزاً لإعادة التفكير في آليات العمل، وفي شكل العلاقة بين القوى الكردية. فالوحدة الحقيقية لا تُبنى على المجاملات، بل على أسس واضحة من التوازن والشراكة والاحترام المتبادل ، وهي تتطلب وجود إرادة سياسية صادقة تضع المصلحة القومية فوق كل اعتبار.
من الضروري اليوم إعادة تفعيل الروح التي انطلق منها كونفراس وحدة الصف، من خلال خطوات عملية تبدأ بإعادة الاعتبار للرؤية الكردية المشتركة بوصفها مرجعية سياسية، والعمل على تطويرها بما يتلاءم مع المتغيرات الراهنة. كما ينبغي إعادة تفعيل الوفد الكردي المشترك على أسس أكثر وضوحاً وفاعلية ، ليكون معبراً حقيقياً عن مصالح الشعب الكردي وحقوقه القومية ، قادراً على الدخول في حوار جاد مع السلطة في دمشق ومع مختلف الأطراف الدولية.
وفي ذات السياق ، لا يمكن إغفال دور العامل الدولي والإقليمي ، إذ إن أي تقدم في المسار الكردي يتطلب أيضاً دعماً ورعاية من القوى الفاعلة، وهذا الدعم لن يكون ذي جدوى إذا لم يقابله موقف كردي موحد. فالمجتمع الدولي، بطبيعته البراغماتية، يتعامل مع الوقائع على الأرض، وليس مع الأمنيات أو الشعارات.
الحفاظ على الوحدة الكردية وتعزيزها لا يعني إنكار الخلافات، بل إدارتها بشكل عقلاني ضمن أطر سياسية منظمة . من هنا تبرز الحاجة إلى آليات مؤسساتية لتنظيم العلاقة بين القوى الكردية، بما يضمن استمرارية الحوار ومنع الانزلاق نحو القطيعة.
وفي المحصلة، فإن كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، رغم كل ما يحيط به من انتقادات، يظل محطة مفصلية في التاريخ السياسي لكرد سوريا. كمحاولة جادة لكسر حلقة الانقسام، ووضع أسس لمرحلة جديدة من العمل المشترك.
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في الدفاع عن الكونفراس أو تبرير تعطيله ، بل في البناء عليه وتطويره. فالوحدة الكردية ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، بل مشروع مستمر يحتاج إلى جهد وصبر وتضحيات ، وإذا لم يُكتب لهذا المشروع النجاح ، فإن الكلفة لن تكون سياسية فقط، بل أيضاً تاريخية وسيدفعها الشعب الكردي بأجياله القادمة.
تقع المسؤولية على عاتق الجميع، دون استثناء، في تحويل هذه الوحدة من مشروع نظري إلى واقع ملموس ، ومن اتفاق إلى ممارسة يومية. فإما أن يكون الكرد شركاء في صناعة مستقبل سوريا، أو يبقوا على هامش الأحداث، يراقبون ما يُقرَّر بشأنهم دون أن يكون لهم أي دور .