مؤتمر الوحدة الكردية بعد عام… 

عمر إبراهيم 
في زمن الانقسامات الحادة والأزمات المتشابكة التي تعصف بسوريا، جاء مؤتمر وحدة الصف والموقف الكردي في روج آفا في قامشلو حدثاً سياسياً مهماً أعاد الأمل بإمكانية تجاوز الخلافات وفتح صفحة جديدة من العمل المشترك. وقد أتى انعقاد المؤتمر في مرحلة كانت سوريا تعيش فيها حالة من الفوضى الأمنية، وانتشار السلاح، وتصاعد موجات العنف وعدم الاستقرار، ولا سيما في مناطق ومدن مثل الساحل والسويداء، ما منح المؤتمر أهمية إضافية بوصفه محاولة سياسية مسؤولة لطرح الاستقرار والحوار في مقابل الفوضى والانقسام. لقد شكّل اجتماع مئات الشخصيات وممثلي الأحزاب والقوى المجتمعية والنخب السياسية رسالة واضحة بأن الشعب الكردي ما زال يمتلك القدرة على الحوار وصناعة المبادرات الوطنية.
ومضى اليوم عام كامل على انعقاد ذلك المؤتمر في مدينة قامشلو، وسط تطلعات شعبية واسعة بأن يكون بداية مرحلة جديدة من التفاهم والشراكة السياسية. فقد جاء المؤتمر بعد تجارب ومحطات سابقة، أبرزها اتفاقيتا هولير ودهوك اللتان انعقدتا في إقليم كردستان العراق برعاية الرئيس مسعود بارزاني، في محاولة لتوحيد الصف الكردي السوري منذ بدايات الأزمة السورية، وإنهاء حالة التشرذم والانقسام التي أضعفت الموقف الكردي لسنوات.
حينها، استقبل الشارع الكردي المؤتمر بكثير من التفاؤل، واعتبره فرصة تاريخية لترميم البيت الداخلي، فيما بقيت أصوات أخرى متحفظة، تشكك في إمكانية تنفيذ بنوده، استناداً إلى تجارب سابقة لم تكتمل. وبعد مرور سنة، يبدو أن تلك المخاوف لم تكن بعيدة عن الواقع، إذ لم تظهر خطوات عملية واضحة تترجم ما تم الاتفاق عليه إلى واقع سياسي ملموس.
لقد بقيت نتائج المؤتمر في إطار التصريحات والبيانات، دون آليات تنفيذية حقيقية، ودون التزام جدي من الأطراف الأساسية، وفي مقدمتها القوى الأكثر نفوذاً على الأرض، مثل قوات سوريا الديمقراطية، وكذلك المجلس الوطني الكردي بوصفه طرفاً سياسياً رئيسياً في المعادلة الكردية السورية. وكان المنتظر من الطرفين أن يتحملا مسؤولية تاريخية في إنجاح هذا المسار، لا أن يبقى الاتفاق أسير الحسابات التنظيمية والمصالح الضيقة.
إن استمرار المماطلة والتردد في تنفيذ التفاهمات لم يضر فقط بالمشهد الكردي الداخلي، بل منح الحكومة السورية في دمشق فرصة جديدة للاستفادة من حالة الانقسام، وإضعاف أي مشروع سياسي كردي موحد يمكن أن يكون طرفاً فاعلاً في مستقبل سوريا.
كما أن الحركة السياسية الكردية لم تستثمر بالشكل المطلوب الأجواء الدولية والمحلية التي كانت أكثر انفتاحاً ودعماً لفكرة الحوار والاستقرار في المنطقة. فاللحظات السياسية المواتية لا تتكرر كثيراً، ومن يضيّعها قد يجد نفسه لاحقاً أمام ظروف أكثر تعقيداً وأقل فرصاً.
إن مرور عام على المؤتمر يجب أن يكون مناسبة للمراجعة الصريحة، لا للاكتفاء بالاحتفاء الرمزي. فالقضية الكردية في سوريا أكبر من خلافات الأحزاب، وأهم من تنافس القوى والتنظيمات. وما يحتاجه الشعب اليوم هو شراكة حقيقية، وقرار سياسي موحد، ورؤية واقعية تحفظ الحقوق وتخدم الاستقرار.
ما زالت الفرصة قائمة، لكنها لن تبقى مفتوحة إلى الأبد. فإما أن تتحول روح مؤتمر قامشلو إلى مسار جاد يعيد الثقة للشارع الكردي، وإما أن يُضاف إلى قائمة المبادرات المؤجلة التي أضاعتها الحسابات الضيقة. والتاريخ لا يرحم من يكرر الأخطاء نفسها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبداللطيف محمد أمين موسى تُشير كافة التقارير والأبحاث والدراسات المتعلقة بالأمن الاستراتيجي والقومي، الصادرة عن أهم مراكز الأبحاث والدراسات وخبرائها، إلى إمكانية عودة التصعيد الشامل، وبصورة أكبر وأكثر تأثيراً، إلى المنطقة. كما تؤكد أن هذا التصعيد سيختلف عن حرب 12 يوماً وحرب 28 فبراير من حيث التأثير على أمن المنطقة وأمن الطاقة، بسبب تعقيدات هذه الأزمة، ولاسيما الأبعاد…

فيصل اسماعيل على امتداد العقود الماضية، لم تكن العلاقة بين الكرد وبعض عشائر الجوار العربية مجرد خلافات عابرة فرضتها ظروف سياسية مؤقتة، بل مرت بمحطات تركت جراحًا عميقة في ذاكرة أبناء المنطقة. فمنذ تطبيق مشروع الحزام العربي، مرورًا بأحداث قامشلو عام 2004، ثم سنوات الحرب السورية، تراكمت أحداث ساهمت في تعميق فجوة الثقة بين الجيران، ودفعت ثمنها جميع المكونات دون…

يتابع منتدى الكلمة الحرة بقلق بالغ الدعوات إلى إقامة خيمة حرب في بلدة الميلبية جنوب محافظة الحسكة، ويؤكد أن مثل هذه الخطوات لا تخدم مصلحة الوطن، بل تعيد إنتاج خطاب الصراع والانقسام في وقت يحتاج فيه السوريون إلى ترسيخ ثقافة الحوار والتعايش. لقد أنهكت سنوات الحرب أبناء سوريا جميعًا، وخلفت مآسي إنسانية وخسائر كبيرة، ولم يعد هناك ما يبرر العودة…

كفاح محمود في الطب، لا تُعد الحمى مرضًا بحد ذاتها، بل رسالة يبعثها الجسد ليقول إن شيئًا غير طبيعي يحدث في داخله، إنها إنذار مبكر، يعلن أن معركة تدور بين جهاز المناعة وسبب خفي، قد يكون فيروسًا أو بكتيريا أو التهابًا، لذلك لا ينشغل الطبيب بخفض الحرارة وحده، بل يبحث أولًا عن مصدرها، لأن اختفاء الحمى لا يعني دائمًا زوال…