الأيديولوجيا التي تفكر بدل الإنسان

 عبدالجبار شاهين

أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف.

كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل أي شيء آخر. كأن الحزب يسبق الاسم والفكرة تسبق الانسان والقضية . وهذا بصراحة شيء يترك أثره السيء على طريقة رؤية الفرد لنفسه وللآخرين حيث بات لديه انتمائه السياسي أسمى وابدى من كل شيء .

المشكلة أن هذا لم يحدث فجأة. هو تراكم طويل من تجارب سياسية مختلفة من صراعات من آمال كبيرة ومن خيبات ايضاً. ومع هذا التراكم بدأت الخطوط بين السياسي والشخصي تذوب شيئاً فشيئاً لدرجة أصبح فيها النقاش أحياناً لا يدور حول فكرة بل حول من أنت ومن هو الحزب الذي تمثله.

خذ مثلا تجربة حزب العمال الكردستاني .  حيث أننا لا يمكننا إنكار أن هذا الحزب حمل معه تضحيات وأفكاراً كبيرة بالنسبة لكثيرين لكنه في الوقت نفسه ومع الزمن ساهم إلى جانب قوى أخرى طبعاً في تكريس حالة من الاستقطاب الأيديولوجي الحاد. الاستقطاب الذي جعل المساحات الرمادية غير موجودة تقريباً .

وأحياناً في مثل هذه البيئة الأيديولوجية لا يعود الإنسان يشعر أنه حر في طرح الاسئلة. هناك أسئلة مسموح بها وأخرى مزعجة بل وأحياناً خطيرة وقد يصنف السائل في صف “الخيانة”. وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع أن يبدأ الناس بالتفكير ومراقبة أفكارهم وغربلتها قبل أن ينطوقوا بها.

لكن إذا أردنا أن نكون منصفين فالمسألة ليست دعوة لرفض كل شيء أو شطب التاريخ. بالعكس التاريخ هنا معقد وثقيل ومليء بالتجارب التي لا يمكن اختزالها في رواية واحدة. المشكلة تبدأ عندما تتحول رواية واحدة إلى الحقيقة  المطلقة أوالوحيدة الممكنة وكل ما عداها يصبح إما خطأ أو خيانة أو يخدم العدوكما في حالة حزب العمال الكردستاني واتباعه .

هذا النوع من التفكير يضيق المساحة الداخلية للإنسان دون أن يشعر. يجعله أقل قدرة على التفكير والمقارنة وأقل استعداداً لسماع المختلف. ومع الوقت يتحول الاختلاف من فرصة للفهم لديه إلى تهديد يجب الرد عليه ربما بأساليب لفظية عنيفة وقد تصل إلى أساليب عنف جسدية .

ربما أحد أهم الأمور التي نحتاجها اليوم هو إعادة الاعتبار للفرد نفسه. ليس بوصفه تابعاً بل بوصفه إنساناً كاملا له كل الحق أن يخطئ أن يغير رأيه أن يناقش ويسأل وأن لا يكون نسخة طبق الأصل من من أحد. الهوية أوسع من الانتماء الحزبي بكثير لكنها عندما تختزل في السياسة بجهة واحدة بحزب واحد  تصبح خانقة أكثر ومغلقة على نفسها اكثر مما تتكون هي معرفة أو حقيقة مطلقة .

وأيضا لا يمكن تجاهل دور التعليم والتفكير النقدي هنا. المشكلة ليست أن الناس لا تعرف بل أن كثيرا منهم لم يمنحوا مساحة حقيقية ليتعلموا كيف يسألون أصلا. كيف يقارنون بين روايتين بين فكريتين مختلفتين كيف يشكون بشكل صحي وكيف لا يأخذون كل شيء كمسلمات جاهزة وكأنها آيات قرآنية نزلت من السماء على من يقودهم.

وفي زمن المنصات الرقمية أصبح الأمر أكثر تعقيدا. لأن كل شخص تقريبا يعيش داخل دائرة معلومات شبه مغلقة وتشبهه . يرى ما يؤكد قناعاته ويسمع من يشبهه فقط ويظن أن هذا هو كل الواقع. بينما الواقع أوسع بكثير من شاشة الهاتف وجهات الاتصال الموجودة عليه.

في النهاية ربما أبسط ما يمكن قوله هو أن المجتمعات لا تتقدم عبر البروباغاندا والشعارات والأهازيج الثورية الحماسيّة التي تلهب المشاعر والعواطف  بل عبر قدرتها على التعايش مع الاختلاف دون خوف وعداء. وأن الإنسان في جوهره يحتاج أن يشعر أنه أكبر من أي إطار ضيق يحشر فيه ويغلق عليه بإقفال أيديولجية معقدة الفك والحل .

ليس مطلوباً أن نتفق على كل شيء لكن ربما المهم ألا نفقد القدرة على سماع بعضنا أصلاً وان نعمل على الالتفاف حول ما يجمعنا لا نبقى أسرى لدى أيديولوجيات يبعدنا ويفرقنا.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبداللطيف محمد أمين موسى تُشير كافة التقارير والأبحاث والدراسات المتعلقة بالأمن الاستراتيجي والقومي، الصادرة عن أهم مراكز الأبحاث والدراسات وخبرائها، إلى إمكانية عودة التصعيد الشامل، وبصورة أكبر وأكثر تأثيراً، إلى المنطقة. كما تؤكد أن هذا التصعيد سيختلف عن حرب 12 يوماً وحرب 28 فبراير من حيث التأثير على أمن المنطقة وأمن الطاقة، بسبب تعقيدات هذه الأزمة، ولاسيما الأبعاد…

فيصل اسماعيل على امتداد العقود الماضية، لم تكن العلاقة بين الكرد وبعض عشائر الجوار العربية مجرد خلافات عابرة فرضتها ظروف سياسية مؤقتة، بل مرت بمحطات تركت جراحًا عميقة في ذاكرة أبناء المنطقة. فمنذ تطبيق مشروع الحزام العربي، مرورًا بأحداث قامشلو عام 2004، ثم سنوات الحرب السورية، تراكمت أحداث ساهمت في تعميق فجوة الثقة بين الجيران، ودفعت ثمنها جميع المكونات دون…

يتابع منتدى الكلمة الحرة بقلق بالغ الدعوات إلى إقامة خيمة حرب في بلدة الميلبية جنوب محافظة الحسكة، ويؤكد أن مثل هذه الخطوات لا تخدم مصلحة الوطن، بل تعيد إنتاج خطاب الصراع والانقسام في وقت يحتاج فيه السوريون إلى ترسيخ ثقافة الحوار والتعايش. لقد أنهكت سنوات الحرب أبناء سوريا جميعًا، وخلفت مآسي إنسانية وخسائر كبيرة، ولم يعد هناك ما يبرر العودة…

كفاح محمود في الطب، لا تُعد الحمى مرضًا بحد ذاتها، بل رسالة يبعثها الجسد ليقول إن شيئًا غير طبيعي يحدث في داخله، إنها إنذار مبكر، يعلن أن معركة تدور بين جهاز المناعة وسبب خفي، قد يكون فيروسًا أو بكتيريا أو التهابًا، لذلك لا ينشغل الطبيب بخفض الحرارة وحده، بل يبحث أولًا عن مصدرها، لأن اختفاء الحمى لا يعني دائمًا زوال…