خالد حسو
يشكّل توقيف المدعو أمجد يوسف، وهو ضابط سابق في جهاز المخابرات التابع للنظام السوري السابق، والمشتبه بتورطه في الأحداث المرتبطة بمجزرة حي التضامن في مدينة دمشق، تطورًا ذا أهمية قانونية ضمن سياق الجهود الرامية إلى معالجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي وقعت خلال النزاع السوري. ويأتي هذا الإجراء في إطار مسار أولي ضمن منظومة العدالة الجنائية، الهادفة إلى إرساء قواعد المساءلة الفردية عن الأفعال التي قد ترقى إلى مستوى الجرائم الجسيمة، وذلك وفقًا لمبادئ القانون الجنائي الدولي والقانون الداخلي ذات الصلة.
ومن منظور منهجي، يُفهم هذا الإجراء بوصفه جزءًا من عملية أوسع تتعلق بإعادة بناء الوقائع وتحديد المسؤوليات القانونية على المستويات كافة، بما يشمل المسؤولية المباشرة عن الفعل، والمساهمة الجنائية، والمشاركة، والتحريض، وفقًا للمعايير المستقرة في نظرية المسؤولية الجنائية الفردية. كما يندرج ذلك ضمن إطار التحقيق الجنائي الذي يهدف إلى التحقق من الوقائع استنادًا إلى الأدلة المادية، والشهادات، والقرائن، وبما يضمن التوصل إلى الحقيقة القضائية بعيدًا عن التأثيرات غير القانونية.
وفي سياق قانون الإجراءات الجزائية، تُعد ضمانات المحاكمة العادلة والفعالة قائمة على جملة من المبادئ الإجرائية التي تشكّل الإطار الناظم لسير العدالة الجنائية، ومن أبرزها مبدأ سرية التحقيق ومبدأ علنية المحاكمة، بوصفهما مرحلتين متكاملتين وليستا متعارضتين:
أولًا: مبدأ سرية التحقيق، وهو مبدأ إجرائي مستقر في التشريعات الجنائية المقارنة، يهدف إلى حماية سلامة إجراءات التحقيق الابتدائي، وضمان جمع الأدلة في بيئة قانونية خالية من التأثيرات الخارجية.
وتنبع أهمية هذا المبدأ من كونه يحقق توازنًا بين مصلحة العدالة في كشف الحقيقة، ومصلحة الأفراد في حماية حقوقهم الإجرائية، كما يحد من مخاطر التأثير على الشهود أو المشتبه بهم، أو العبث بالأدلة، أو التأثير على مجريات التحقيق. وبالتالي، فإن السرية في هذه المرحلة تُعد أداة لضمان فعالية البحث الجنائي وسلامة نتائجه.
ثانيًا: مبدأ علنية المحاكمة، وهو أحد الركائز الأساسية للمحاكمة العادلة في النظم القانونية الحديثة، ويهدف إلى تعزيز الشفافية القضائية وإخضاع إجراءات التقاضي لرقابة الرأي العام، بما يسهم في ترسيخ الثقة بالمؤسسة القضائية. كما أن العلنية تُعد ضمانة ضد التعسف المحتمل في الإجراءات، وتحقق وظيفة ردعية مزدوجة تتمثل في الردع العام والخاص، من خلال إظهار خضوع المتهمين للقضاء وفق إجراءات قانونية معلنة ومضبوطة.
وبناءً على ذلك، يمكن استخلاص أن:
سرية التحقيق تمثل ضمانة إجرائية أساسية تهدف إلى حماية فعالية التحقيق الجنائي وضمان سلامة أدلة الإثبات في المرحلة السابقة على المحاكمة.
في حين أن علنية المحاكمة تمثل ضمانة مؤسسية تهدف إلى تعزيز الشفافية القضائية وترسيخ الرقابة المجتمعية على سير العدالة.
وفي إطار العدالة الانتقالية بوصفها نموذجًا قانونيًا ومؤسسيًا لمعالجة إرث الانتهاكات الجسيمة، فإن متطلبات العدالة لا تقتصر على معالجة وقائع محددة، بل تمتد لتشمل منظومة الانتهاكات كافة التي طالت المجتمع السوري بمختلف مكوناته. ويشمل ذلك الانتهاكات المرتبطة بالاستيلاء غير المشروع على الممتلكات المنقولة وغير المنقولة، فضلًا عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي طالت مدنيين في مناطق متعددة، بما في ذلك ما تعرض له الشعب الكوردي في مناطق عفرين وريفها وجنديرس وحلب، إضافة إلى الانتهاكات التي طالت فئات مجتمعية أخرى، بما فيها المكونات العلوية والدروز والمسيحيين في مختلف الجغرافيا السورية.
ومن هذا المنظور، فإن تحقيق العدالة الانتقالية يفترض تبني مقاربة شاملة وغير انتقائية، تقوم على مبدأ المساواة أمام القانون، وتكريس مبدأ عدم الإفلات من العقاب، بما يضمن مساءلة جميع المسؤولين عن الانتهاكات، بصرف النظر عن مواقعهم أو انتماءاتهم، وبما يحقق إعادة بناء الثقة بين المجتمع ومؤسسات العدالة على أسس قانونية ومؤسسية راسخة .