أحمد آلوجي
تشير المعطيات السياسية الراهنة إلى احتمال دخول الحركة الكردية في سوريا مرحلة جديدة من الحراك النشط، قد تتسم بكثافة في النقاش والتفاوض حول الحقوق القومية والسياسية. ويبرز في هذا السياق دور المجلس الوطني الكردي بوصفه أحد الأطر السياسية الأساسية التي يمكن أن تقود هذا التوجه، خاصة إذا ما أُتيح تمثيل كردي فعّال داخل المؤسسات التشريعية، وعلى رأسها مجلس الشعب. مثل هذا التمثيل لا يفتح فقط باب المشاركة السياسية، بل يمنح الحركة الكردية أدوات قانونية ودستورية لمحاولة إحداث تحول في بنية التفكير السياسي التقليدي الذي حكم العلاقة بين السلطة المركزية والكرد لعقود طويلة.
وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى المرسوم رقم 13 الذي أصدره الرئيس الشرع بوصفه خطوة أولى إيجابية في اتجاه إعادة بناء الثقة بين الدولة والمكوّن الكردي. فرغم أن هذا المرسوم لا يلبّي بالضرورة جميع التطلعات الكردية، إلا أنه يحمل دلالة سياسية مهمة على وجود إرادة لفتح صفحة جديدة، ويشكّل مدخلًا يمكن البناء عليه عبر الحوار والتفاوض الجاد للوصول إلى معالجات أعمق وأكثر شمولًا.
إن دخول الكرد إلى الفضاء التشريعي بشكل مؤثر قد يسمح بطرح قضايا جوهرية طال انتظارها، وفي مقدمتها السعي نحو الاعتراف الدستوري بالشعب الكردي في سوريا، بوصفه مكونًا أصيلًا وثاني أكبر قومية في البلاد. كما يمكن أن يشكل ذلك مدخلًا لإعادة النظر في السياسات السابقة التي اتسمت بالإقصاء والتهميش، والعمل على تضمين نصوص دستورية تُلزم الدولة بتحمل مسؤولياتها التاريخية، ليس فقط على مستوى الاعتراف، بل أيضًا من خلال اتخاذ إجراءات عملية تعويضية تعالج آثار تلك السياسات على الأرض.
ولا يمكن الحديث عن هذا المسار دون التذكير بجملة من المظالم التي تعرض لها الكرد خلال العقود الماضية، والتي لا تزال آثارها قائمة حتى اليوم. من أبرز هذه السياسات مشروع “الحزام العربي” في منطقة الجزيرة، الذي سعى إلى تغيير البنية الديموغرافية عبر توطين عرب الغمر في أراضٍ كردية، مما أدى إلى اقتلاع العديد من السكان الكرد من أراضيهم التاريخية. كذلك شكّل الإحصاء الاستثنائي في محافظة الحسكة عام 1962 محطة مفصلية في تكريس التمييز، حيث جُرّد عشرات الآلاف من الكرد من الجنسية السورية، ما حرمهم من أبسط الحقوق المدنية.
إلى جانب ذلك، شهدت المناطق الكردية حملات اعتقال تعسفي طالت نشطاء وقيادات سياسية، كثير منهم تعرضوا للتعذيب والمعاملة القاسية، في محاولة لإخماد أي صوت يطالب بالحقوق أو يعبر عن الهوية. هذه الممارسات لم تكن مجرد أحداث عابرة، بل شكلت جزءًا من نهج ممنهج أسهم في تعميق الفجوة بين الدولة والمجتمع الكردي.
في ضوء ذلك، تبدو الحاجة ملحة اليوم لأن تتبنى الحركة الكردية، بمختلف أطيافها، خطابًا موحدًا ورؤية مشتركة تجاه مستقبل الكرد في سوريا. فالتحديات السياسية تتطلب درجة عالية من التنسيق والانسجام، خاصة في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة. إن توحيد المواقف لا يعزز فقط من قوة التفاوض، بل يبعث برسالة واضحة إلى الداخل والخارج بأن الكرد قادرون على تمثيل أنفسهم بشكل مسؤول وفاعل ضمن إطار الدولة.
ختامًا، فإن المرحلة المقبلة قد تحمل فرصًا حقيقية لإعادة صياغة العلاقة بين الكرد والدولة السورية على أسس أكثر عدلًا وتوازنًا، لكن نجاح هذا المسار يبقى مرهونًا بمدى قدرة الحركة الكردية على استثمار هذه الفرص بوحدة الصف، ووضوح الرؤية، والإصرار على تحقيق حقوق طال انتظارها، مع البناء على المبادرات الإيجابية القائمة وتحويلها إلى مسار سياسي مستدام يحقق الشراكة الحقيقية بين جميع مكونات البلاد. م