عاكف حسن
في وادي البقاع، حيث تُطوِّق التلالُ الحجرية المكان كأصابعَ صامتة، كان آب 1992 يسكب حرَّه الثقيل على كل شيء. الهواء مُثقل، يمرّ ببطء، وكأن الزمن نفسه يتردد في العبور. حتى البعوض كان حاضرًا بإلحاح، يقطع سكون اللحظة بوخزاتٍ صغيرة، كأنه يرفض أن يترك المشهد لصفائه.
أمام إدارة المعسكر، وعلى حافة الغروب، بدأ كل شيء. كان الأفق يتوشّح ببرتقاليٍ خافت، أشبه بجمرةٍ أخيرة، والصخور على الأطراف تمدّ ظلالها الطويلة… كأنها تتهيأ لانسحاب الضوء.
لم يكن اللقاء مُعدًّا له، بل جاء عابرًا، كوقفةٍ على الهامش. كنّا ثلاثة: أوجلان، وأنا، وقائدٌ ميداني جاء لتوّه من جبال قنديل، يحمل معه غبار الطريق وأخبار الجبال.
بغير تمهيد، التفت أوجلان إليه وسأله:
— «ما وضع قواتنا؟ وكيف هي العلاقة مع قيادة كردستان العراق… ومع عائلة البارزاني؟»
أجاب القائد الميداني، دون تردّد:
— «قواتنا في أحسن حالاتها، المعنويات عالية… لكن التوتر سائد بيننا وبين قوات كردستان العراق.»
ساد صمتٌ قصير، ثم عاد السؤال، لكن بنبرةٍ بدت أقرب إلى الفضول منها إلى الاطمئنان:
— «وماذا عن صورتنا بين الشعب هناك؟ هل هناك دعم كافٍ لنا؟»
لم يُجب هذه المرة بجملةٍ مباشرة، بل قال القائد الميداني:
— «سروكي من… سأحكي لك شيئًا رأيته بنفسي.»
أشار بيده، كأنه يستعيد المشهد:
— «رأيت أطفالًا على قارعة الطريق، يبيعون صورًا للقادة الثلاثة: جلال طالباني، ومسعود بارزاني، وصور السروك.»
تدخّل أوجلان:
— «إي… إي، أكمل، أكمل.»
تابع القائد الميداني:
— «كان يبيع صور مام جلال بألف دينار، وصور مسعود بألفين… أما صور القائد، فكان يبيعها بأربعة آلاف.»
لحظة صمت، ثم أضاف:
— «إن دلّ هذا على شيء، فهو يدل على قيمة السروك بين شعبنا في جنوب كردستان.»
تنفّس أوجلان بعمق، ثم ضحك بصوتٍ عالٍ:
— «يا له من صبيٍّ ذكي… يعرف كيف يكسب!»
خفّت الضحكة سريعًا، وكأنها أدّت دورها وانسحبت، ليعود الحديث إلى مسارٍ آخر:
— «وماذا عن أسلحتنا؟ هل نملك ما يكفي للقتال معهم؟ هل تكفي لنقضي عليهم؟»
أجاب القائد الميداني، هذه المرة بنبرةٍ أقرب إلى التعداد:
— «لدينا G bir، وG3، وARBG… ولدينا دوشكا.»
رفع أوجلان رأسه قليلًا:
— «عندنا دوشكا؟… هذا شيء عظيم. إذًا يمكننا دحرهم سريعًا.»
لم يتردد القائد الميداني:
— «سروكي من، إن هاجمناهم، سنستولي على زاخو ودهوك في أقل من يومين.»
جاءت ضحكة أوجلان هذه المرة أطول، وملأت المكان للحظة، قبل أن يقول:
— «لقد وجد أبوه له مكانًا في أمريكا… أما هو، فلن يجد له مفرًّا على وجه هذه الأرض.»
عند تلك النقطة، لم يكن المشهد صاخبًا، ولم تُرفع الأصوات. كل شيء قيل بهدوءٍ يكاد يكون عاديًا. لكن خلف هذا الهدوء، كان شيءٌ آخر يتشكّل… ببطء، وبثقة.
مع انطفاء آخر خيطٍ من الضوء، غرق المكان في ظلاله. بدت التلال أكثر صمتًا، والوادي أعمق مما كان عليه قبل قليل. بقيت الكلمات معلّقة في الهواء، لا تُرى، لكنها لا تختفي.
لم تمضِ سوى أسابيع قليلة على ذلك المساء من آب 1992، حتى جاء شهر تشرين الأول من العام نفسه، حيث اندلعت الحرب، واستمرت قرابة خمسةٍ وأربعين يومًا، وسقط فيها الآلاف من الطرفين، وتبدّلت بعدها خرائطٌ كثيرة ومعانٍ أكثر.
عندها، عاد ذلك المساء إليّ… بتفاصيله الصغيرة، بأسئلته، وبالهدوء الذي قيلت فيه الكلمات. لم يكن كل شيء واضحًا في حينه، لكن بعض اللحظات لا تكشف معناها إلا متأخرة.
هناك، بين سؤالٍ عن السلاح، وضحكةٍ عابرة، وحديثٍ عن “القدرة”، كانت تُرسم ملامحُ طريقٍ آخر… طريقٌ لم يكن يحتاج إلا إلى زمنٍ قصير ليُصبح واقعًاً.