د. محمود عباس
ليست مأساة الشعب الكوردي في أنه افتقر إلى الشجاعة، ولا في أنه عجز عن إنتاج القادة، ولا في أنه كان غائبًا عن مسرح التاريخ. على العكس تمامًا، فالتاريخ الشرقي، منذ تشكّل إمبراطورياته الأولى حتى انهياراته الكبرى، يكاد يكون مشبعًا بالحضور الكوردي، دمًا، وجغرافيا، وقوةً، ودورًا.
لقد شارك الكورد في بناء الإمارات، وأسهموا في تثبيت الممالك، وكانوا ركنًا في حماية إمبراطوريات، وعاملًا في إسقاط أخرى، بل إنهم وقفوا في لحظات مفصلية من التاريخ الإسلامي والإقليمي بين هدم خلافة وإقامة أخرى، وبين حماية سلطان وإزاحة سلطان. ومع ذلك كله، بقيت هذه الأمة، على اتساع حضورها وتضحياتها، محرومة من أبسط حق رمزي وسيادي، أن تظهر في التاريخ السياسي الحديث والوسيط بوصفها صاحبة دولة معرّفة باسمها، أو إمبراطورية تعلن ذاتها بهويتها الكوردستانية، أو نظامًا سياسيًا يحمل صراحة اسمها القومي بوصفه تعبيرًا عن السيادة لا عن المشاركة التابعة.
وهنا تتكشف إحدى أكثر الجدليات قسوة في تاريخنا: كيف لأمة ساهمت في صنع الوقائع الكبرى، ولم تكن على هامش التاريخ، أن تبقى خارج تسمية التاريخ؟ كيف لشعب كان مادة القوة في الجبال والحدود والثغور والجيوش والإدارات، ألا يتحول إلى اسمٍ جامع لكيان سياسي يعبر عنه؟ كيف ظهرت الدول والإمبراطوريات والخلافات بأسماء العرب، والفرس، والترك، وتكرّست هذه التسميات في الوعي السياسي والتاريخي، بينما ظل الكوردي، حتى حين يقاتل ويؤسس ويحكم، يظهر غالبًا بوصفه ذراعًا داخل بنية غيره، أو طاقةً مسخرة في مشروع لا يحمل اسمه، أو قائدًا فرديًا يلمع في تاريخ سلالة لا تُعرّف نفسها بأنها كوردية أو كوردستانية؟
إن هذه ليست مجرد مفارقة تاريخية، بل مأساة في الوعي السياسي الكوردي نفسه، لأن الأمة التي لا تنجح في تحويل قوتها إلى اسم، ودمها إلى شرعية، وجغرافيتها إلى تعريف سياسي، تبقى عرضة لأن يُعاد استخدامها في خرائط الآخرين، لا أن ترسم خريطتها بنفسها.
لقد كان الكوردي حاضرًا في الفعل، غائبًا في التسمية. حاضرًا في التضحيات، غائبًا في السيادة. حاضرًا في صناعة التحولات، غائبًا في احتكار معناها السياسي. وهذه هي الكارثة التي لم نقف عندها طويلًا بما يكفي، ولم نحوّلها إلى صدمة معرفية تدفعنا إلى مساءلة جذور العطب: لماذا بقينا أمة تقاتل كثيرًا وتُسمّى قليلًا؟ لماذا تحوّل تاريخنا، في أجزاء واسعة منه، إلى فائض قوة لصالح الآخرين؟ لماذا استطاعت أمم أقل حضورًا في الجغرافيا الصلبة، وأقل دفعًا للدم في بعض المراحل، أن تنتج لنفسها أسماء دول، وهويات سيادية، وسرديات رسمية، بينما بقينا نحن، رغم المدى التاريخي والسكاني والثقافي، نتأرجح بين أوصاف اخترعها لنا الغير: مرةً شعب جبلي متمرد، ومرةً جماعة ملحقة، ومرةً موالون لهذا النظام أو ذاك، ومرةً مهاجرون طارئون على أرض هي في الأصل قلب وجودهم التاريخي؟
إن أخطر ما في هذه الجدلية ليس فقط أن الآخرين همّشونا، بل أننا نحن أيضًا لم نقرأ التهميش بوصفه بنية تاريخية يجب تفكيكها. لم نتعامل معه كجرحٍ يستدعي ثورة في التفكير، بل كقدرٍ اعتدنا التكيف معه. ولهذا، بقي كثير من وعينا السياسي الكوردي يعمل داخل حدود ما يسمح به الآخر، لا داخل أفق ما يجب أن يكون لنا. ولم يكن هذا العجز ناتجًا فقط عن بطش الإمبراطوريات المحتلة وتقاسم كوردستان، بل أيضًا عن قصور في تحويل الحضور القومي إلى مشروع تسمية وسيادة وتمثيل. كأننا، عبر قرون، قبلنا أن نكون شركاء في صنع التاريخ، شرط ألا يحمل التاريخ اسمنا.
ومن المؤلم أن هذه الجدلية الكارثية لم تبق حبيسة الماضي، بل أعادت إنتاج نفسها في الحاضر، وبصورة أكثر مرارة في غربي كوردستان. فبعد كل ما قُدّم من دماء، وكل ما جرى من صراع ومقاومة وتضحيات، كان يُفترض أن تكون اللحظة التاريخية الراهنة لحظة تثبيت البعد القومي لغربي كوردستان، وتعويم الشعب الكوردي سياسيًا على جغرافيته، بوصفه صاحب الأرض والقضية والحق التاريخي. لكن ما حدث، في جوانب خطيرة منه، هو العكس، لم يُعرّف غربي كوردستان تعريفًا قوميًّا صريحًا بقدر ما جرى الالتفاف على هذا التعريف، وتخفيفه، وتذويبه داخل صيغ إدارية وسياسية مفتوحة، حتى بدا الكوردي مرة أخرى، بعد كل هذه التضحيات، وكأنه لا يزال مطالبًا بإثبات علاقته بأرضه، أو بمشاركة الآخرين في إدارة جغرافيته من موقع المالك المتردد لا من موقع الشعب المؤسس.
ومع مرور الزمن، تفاقمت المفارقة أكثر. بدل أن تُبنى إدارة تعكس العمق القومي الكوردي، بجغرافيته، وعلمه، ولغته، وتحتضن الآخرين من هذا الموقع الطبيعي والأخلاقي، أخذت البنية الإدارية والسياسية تنزلق تدريجيًا نحو واقع تصبح فيه القوى العربية وغيرها أكثر حضورًا في مراكز التعريف والإدارة والقرار، بينما يعود الكوردي، بصورة ناعمة وخطيرة، إلى موقع الضيف في أرضه، أو الشريك الذي يفقد مع الوقت حقه في تسمية المكان والسلطة والمعنى. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس في إشراك الآخرين، فهذا منطق حضاري مشروع حين يكون الشعب الكوردي معرّفًا بثقله القومي والسيادي، بل في أن يتحول هذا الإشراك إلى عملية تعويم معاكسة، يُذاب فيها الأصل القومي لصالح صيغ رمادية، تتسع مع الوقت لتكون بيئة مريحة للقوى المعادية للأمة الكوردية، أو المتحفزة لإزاحة حضورها من الداخل بعدما عجزت عن سحقه من الخارج.
إن الأمة التي لا تتعلم من تاريخها محكومة بأن تعيد مأساتها بأشكال جديدة. وما جرى للكورد عبر قرون، من المساهمة في بناء دول الغير دون تثبيت دولتهم، ومن حماية عروش الآخرين دون ترسيخ عرشهم القومي، يتكرر اليوم حين تُنتج التضحيات الكوردية وقائع سياسية لا تحمل اسمها بوضوح، ولا تعلن حقيقتها القومية بلا تردد، ولا تصون حق الشعب الكوردي في أن يكون مركز تعريف غربي كوردستان لا مجرد أحد مكوناته الإدارية. وهذه ليست مسألة لغوية أو رمزية، بل مسألة مصير. لأن الشعب الذي يفقد حقه في تعريف أرضه، يفقد بالتدريج حقه في تقرير مصيرها.
إن السؤال الذي يجب أن يواجه الحراك الكوردي اليوم ليس، كيف نضمن البقاء داخل المعادلات القائمة؟ بل: لماذا يتكرر معنا التاريخ بهذه القسوة؟ لماذا ننتصر في الميدان ونرتبك في التسمية؟ لماذا ندفع الدم ثم نخجل من تعريف الجغرافيا بأسمائنا؟ لماذا نقاتل كأصحاب أرض، ثم نديرها كأننا نخشى إعلان حقيقتها؟ أليس هذا هو الجذر العميق لأزمتنا: أن الوعي القومي الكوردي كثيرًا ما يتقدم في لحظة الخطر، ثم يتراجع في لحظة البناء، فيترك ثمرة التضحيات نهبًا للتسويات، ويفتح الباب لعودة القوى المعادية من نوافذ الإدارة، بعد أن أُغلقت بوجهها أبواب الحرب؟
إن غربي كوردستان لا يواجه اليوم فقط خطر العدو الخارجي، بل خطر التآكل الداخلي في تعريف ذاته. وهذا أخطر من المعركة العسكرية نفسها، لأن الرصاص قد يفشل في كسر الأمة، لكن الغموض في تعريفها السياسي قد ينجح في إضعافها على المدى الطويل. وما لم يُحسم هذا الأمر بوضوح، وما لم يُثبت البعد القومي لغربي كوردستان بوصفه الحقيقة المؤسسة التي تستوعب الآخرين ولا تذوب فيهم، فإننا سنكون، مرة أخرى، أمام إعادة إنتاج تلك اللعنة التاريخية: الكورد حاضرون في الدم، غائبون في الاسم؛ حاضرون في الجغرافيا، غائبون في السيادة؛ حاضرون في التضحيات، غائبون في تعريف الكيان.
وهذه، في جوهرها، ليست مأساة مرحلة، بل مأساة أمة لم تتعلم بعد كيف تحوّل تضحيتها إلى اسم، واسمها إلى دولة، ودولتها إلى قدر تاريخي لا يملكه سواها.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
19/4/2026م