بين واقعية السياسة وحدود القانون: لماذا يستمر الانقسام في الحركة السياسية الكردية في سوريا؟

شادي حاجي

لم تعد المعضلة الأساسية التي تواجه الحركة السياسية الكردية في سوريا، بمختلف أحزابها وأطرها، مرتبطة بغياب القضية أو ضعف عدالتها، بل باتت تكمن في كيفية إدارتها. إذ يظهر تناقض صارخ بين خطاب يدعو إلى وحدة الصف والموقف الكردي، وواقع سياسي يعكس انقساماً حاداً يعطل أي إمكانية لتحقيق تقدم فعلي. هذا التناقض لم يقتصر أثره على الأداء السياسي، بل امتد ليقوّض الثقة الشعبية ويثير شكوكاً متزايدة حول جدية التمثيل السياسي وفاعليته.

تتمثل أولى العقبات في عجز القوى السياسية عن تحقيق وحدة الصف الكردي. فعلى الرغم من الإجماع النظري على أهمية هذه الوحدة، إلا أن ترجمتها عملياً لا تزال محدودة وهشة. وقد كشفت تجارب سابقة، مثل هولير 1 وهولير 2 ودهوك وكونفرانس 26 نيسان 2025، أن الوصول إلى اتفاقات ليس أمراً معقداً بحد ذاته، لكن الإشكالية الحقيقية تكمن في غياب الالتزام بتنفيذها. بل إن بعض الأطراف تتعامل مع شعار الوحدة بوصفه أداة تكتيكية لتعزيز موقعها السياسي، لا خياراً استراتيجياً يعكس قناعة راسخة. والأخطر من ذلك أن حالة الانقسام نفسها قد تتحول إلى مصدر نفوذ لبعض القوى، ما يضعف الدافع لإنهائها.

انطلاقاً من ذلك، لا يمكن التعويل على إرادة الأحزاب وحدها لتحقيق الوحدة المنشودة. بل تبرز الحاجة إلى دور أكثر فاعلية للمجتمع المدني والنخب المستقلة، بهدف إعادة تعريف الشرعية السياسية على أساس الأداء الفعلي والالتزام، لا على مجرد الخطابات والشعارات.

أما المشكلة الثانية فتتمثل في ضعف آليات تنفيذ الاتفاقات. فغالبية المبادرات السابقة لم تفشل بسبب غموض مضامينها، بل نتيجة غياب أدوات واضحة تضمن تطبيقها. فلا توجد مؤسسات رقابية حقيقية، ولا منظومة مساءلة قادرة على فرض كلفة سياسية على المخلّين بالتزاماتهم. ونتيجة لذلك، تبقى الاتفاقات حبراً على ورق، وتتآكل ثقة الشارع بها مع كل تجربة فاشلة.

وعليه، فإن أي مقاربة جدية للحل تقتضي الانتقال من “توافقات” عامة وفضفاضة إلى “اتفاقات ملزمة” تتضمن جداول زمنية دقيقة، وآليات تنفيذ واضحة، وهيئات رقابة مستقلة. وحدها مثل هذه الصيغة كفيلة بجعل الاتفاقات قابلة للتطبيق وخاضعة للمساءلة والمحاسبة.

على الصعيد القانوني، يؤدي استمرار الانقسام إلى إضعاف فرص تحويل المطالب السياسية إلى حقوق معترف بها. فالقانون، بطبيعته، يتطلب تمثيلاً واضحاً ومرجعية سياسية مستقرة، وهو ما يفتقر إليه الواقع الكردي الحالي. وبذلك، لا يقتصر أثر الانقسام على تعطيل الفعل السياسي، بل يمتد ليقيد إمكانيات تحقيق مكاسب قانونية ملموسة.

في سياق متصل، تبرز إشكالية الاستقلالية في القرار السياسي. إذ ترتبط معظم القوى السياسية الكردية في سوريا، بدرجات متفاوتة، بقوى كردستانية وإقليمية، ما يحد من قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة بالكامل. ومع ذلك، لا ينبغي فهم الاستقلالية بوصفها قطيعة أو انعزالاً، بل يمكن بناؤها تدريجياً عبر تعزيز عناصر القوة الداخلية سياسياً واجتماعياً، وتنويع العلاقات الخارجية، وترسيخ مبادئ الشفافية.

في المحصلة، لا تكمن الأزمة في وجود الانقسام بحد ذاته فحسب، بل في كيفية إدارته، وفي غياب بنية سياسية قادرة على فرض الالتزام الحقيقي. كما أن الفجوة المتسعة بين الخطاب والممارسة تساهم في إضعاف ثقة الشارع الكردي، وتعزز الشعور بغياب الجدية في العملية السياسية.

إن تجاوز هذه الحالة يتطلب مقاربة شاملة تتجاوز مجرد تنظيم العلاقات بين الأحزاب، لتشمل إعادة بناء الثقة مع المجتمع، والانفتاح على القوى الثقافية والمدنية، وترسيخ قواعد المساءلة والالتزام. ورغم تعقيد هذه المهمة، فإنها تظل شرطاً أساسياً للانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى بناء مشروع سياسي أكثر نضجاً وفاعلية.

نحو مستقبل أكثر نضجاً.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين من تجربتي الشخصية في مجال الكتابة حول الحركة القومية – الوطنية الكردية السورية، حيث تناولت مبكراً مسألة تشخيص أزمة الحركة وسبل حلها، والإحاطة بعواملها الذاتية والموضوعية، وأسبابها الداخلية والخارجية برؤية نقدية، شعرت بلامبالاة إلى حدود تجاهل معظم النخب المثقفة، بل صدر من البعض رفض قاطع لوجود أية أزمة، وأن الحركة بخير، وكل…

أليسا شابلوفسكايا النقل عن الفرنسية: إبراهيم محمود ” أليسا شابلوفسكايا: معهد باريس للدراسات السياسية (حرم لو هافر الجامعي)” ( يبدو أن قراءة هذا المقال صالحة لقرن قادم وأبعد كُرْدياً. المترجم ) جدول المحتويات 1-“تجنيد” السكان الكُرْد كأصل استراتيجي 2- الكُرْد كقوة موازنة للنفوذ الأرمني المتزايد 3-الكُرْد كآخر على هامش الإمبراطورية 4- خاتمة   رغم أن الاهتمام الروسي بالكرد كان عاملاً…

كفاح محمود في الطب، لا يُعد النزيف مرضًا بحد ذاته، لكنه من أخطر مضاعفات الأمراض والإصابات، فالإنسان قد يحتمل الألم، ويقاوم الحمى، ويتعايش مع كثير من العلل، لكنه لا يستطيع أن يعيش طويلًا إذا استمر بالنزف، والأخطر أن بعض أنواع النزيف تكون داخلية، لا تُرى بالعين، ولا يشعر بها المريض إلا بعد أن يفقد جزءًا كبيرًا من قوته، وهذا ما…

د. محمود عباس إن تعمّد جانب من الإعلام السوري والعربي، وفي مقدمته الجزيرة والعربية والحدث، تصغيرَ ما جرى في سري كانيه وعفرين، وما يتكرر من اعتداءات في مناطق أخرى من غربي كوردستان، مقابل تضخيم إسقاط شابين كورديين للعلم السوري وتحويله إلى «الجريمة الكبرى»، يكشف اختلالًا فاضحًا في المعايير. فالعلم يُفترض أن يكون رمزًا لجميع السوريين، لا راية لجماعة تتوهم أن…