المحامي حسن برو
يقدّم مقال الدكتور كاميران حاج عبدو مقاربة تحليلية لمسار مفهوم «استقلالية القرار السياسي الكردي في سوريا» بوصفه أحد أهم التحولات الفكرية التي شهدتها الحركة السياسية الكردية منذ تسعينيات القرن الماضي ،غير أن هذه المقاربة، رغم تماسكها النظري تميل إلى إغفال عدد من العوامل البنيوية والواقعية التي أثرت بشكل مباشر في مسار هذا المفهوم، سواء على مستوى نشأته أو على مستوى تراجعه.
من الناحية النظرية: ينطلق المقال من فرضية أن الاستقلالية السياسية تمثل خيارا واعيا لتجاوز الارتهان الإقليمي وإعادة تموضع الفعل السياسي ضمن السياق السوري ،إلا أن هذا الطرح يتطلب تدقيقًا أعمق إذ أن البيئة السياسية الكردية لم تكن يوما معزولة عن التأثيرات الكردستانية الأوسع حيث انطلق اول حزب كردي في حزيران عام ١٩٥٧ بعد تأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني اي ان الأحزاب التي وصفت في مرحلة ما بأنها “كردستانية” لم تكن مجرد فاعل خارجي طارئ، بل كانت تمتلك ضمن سياقها التاريخي، أدوات تأثير محددة تتناسب مع المرحلة، رغم محدودية إمكاناتها آنذاك (كوسائل الإعلام البسيطة أو النشاط الحزبي التقليدي اضافة لقيامها بثورة مسلحة في كردستان العراق وقتئذ).
بالمقارنة بين تلك المرحلة والواقع اليوم في إقليم كردستان العراق تكشف تحولا نوعيا إذ باتت الأحزاب الرئيسية هناك تمتلك بنى شبه دولتيّة من مؤسسات حكومية وبرلمانية وأمنية وأجهزة مخابرات تتجاوز حدود الاقليم لتحافظ على مصالحها ونفوذها الخارجي ، وهوما يجعل تأثيرها يتجاوز البعد الرمزي أو الإعلامي إلى مستوى النفوذ البنيوي و التدخل في تعيين رؤساء بعض أحزابها وضمان ولائها. وهو ما لم يتناوله المقال بالقدر الكافي عند حديثه عن مسألة “التأثير الخارجي” إذ لم يعد هذا التأثير يمارس عبر أدوات محدودة بل عبر منظومة متكاملة قادرة على إعادة تشكيل التوازنات داخل الساحة الكردية السورية.
في الوقت ذاته يبرز عامل آخر لا يقل أهمية يتمثل في صعود نماذج سياسية منافسة داخل الجغرافيا السورية نفسها، وعلى رأسها تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا المرتبطة بمنظومة حزب العمال الكردستاني فهذه التجربة، التي استمرت لأكثر من عقد من الزمن والتي لامست حياة الناس اليومية من الناحية الأمنية وكذلك السياسية والاقتصادية والضخ الإعلامي لم تكتف بطرح خطاب سياسي بل نجحت في بناء هياكل مؤسساتية تبدأ من المستوى المحلي (الكومينات والأحياء) وصولا إلى مستويات إدارية عليا (الرئاسة المشتركة وهيئات الإدارة).
إن هذا التحول يطرح تساؤلا جوهريا: هل يمكن الحديث عن “استقلالية القرار السياسي” في ظل وجود نموذج مؤسساتي فعلي يفرض نفسه على الأرض؟ أم أن المفهوم بقي حبيس الإطار النظري، دون أن يمتلك أدوات موازية تمكنه من المنافسة أو الاستمرارية؟ ولا ننسى في هذا الاتجاه ماقام به من تشكيل أحزاب موالية لها وموازية للاحزاب الأخرى التي لا تتفق معها .
من جهة أخرى يشير المقال إلى تراجع تجربة حزب الوحدة الديمقراطي الكردي نتيجة عوامل داخلية كضعف الممارسة الديمقراطية والانشقاقات، غير أن هذا التفسير رغم أهميته، يبدو جزئيا إذا لم يستكمل بتحليل دور العوامل الخارجية، وعلى رأسها ما يمكن تسميته بـ”المال السياسي” والتأثيرات الإقليمية. فقد ساهم تدخل أطراف كردستانية، إلى جانب قوى إقليمية متعددة، في إعادة تشكيل الخارطة الحزبية الكردية السورية، ليس فقط عبر الدعم السياسي بل أيضا عبر أدوات مادية وتنظيمية أدت في كثير من الأحيان إلى إضعاف التيارات التي كانت تتبنى خطاب الاستقلالية على الأقل كان الدكتور كاميران جزء من منظومة العلاقات الخارجية وقتها حين كان يمثل الحزب في المجلس الوطني الكردي في علاقاته الخارجية .
وهنا ايضا تظهر مفارقة لافتة فبينما كان هذا التيار يرفض الارتهان للخارج نظريا، وجد نفسه عمليا في مواجهة بيئة سياسية تدار إلى حد كبير عبر شبكات النفوذ الإقليمي، ما جعل قدرته على الحفاظ على استقلاليته محدودة للغاية بفعل ذلك .
كذلك يغفل المقال بدرجة معينة أثر التحولات الديموغرافية والاجتماعية العميقة التي شهدها المجتمع الكردي السوري خلال سنوات الحرب فقد أدى التهجير الواسع من المدن الرئيسية مثل حلب ودمشق إضافة إلى مناطق كردية كعفرين وسري كانيه وكوباني وأجزاء من ريف الحسكة إلى تفكك الحاضنة الاجتماعية التي كانت تشكل البيئة الطبيعية لخطاب “استقلالية القرار السياسي”
إن هذا التفكك لا يمكن اعتباره مجرد عامل ثانوي بل هو عنصر رئيسي و حاسم في تفسير تراجع هذا المشروع و أن أي فكرة سياسية، مهما بلغت قوتها النظرية تبقى مرتبطة بوجود قاعدة اجتماعية حاضنة قادرة على تبنيها والدفاع عنها.
وفي مستوى الأخر للنقد يمكن ملاحظة أن المقال يميل إلى الفصل بين “الفكرة والتجربة” معتبرا أن الإخفاق يعود أساسا إلى سوء التطبيق غير أن هذا الفصل قد يكون مبسطا أكثر من اللازم إذ أن بعض الإشكاليات قد تكون كامنة في الفكرة ذاتها، خصوصا إذا لم تأخذ بعين الاعتبار طبيعة التوازنات الإقليمية وحدود الفعل السياسي في بيئة مفتوحة على صراعات متعددة وبمستويات مختلفة
كما أن التباين بين الخطاب والممارسة، الذي أشار إليه المقال، لا يمكن تفسيره فقط بوصفه خللًا أخلاقيًا أو تنظيميًا، بل قد يعكس أيضًا محاولة براغماتية للتكيف مع واقع سياسي معقد ومتحول بشكل متسارع في بلد يعيش حالة حرب منذ اكثر من عقد ونصف ، حيث يصبح الالتزام الحرفي بالمبدأ نوعا من العزلة السياسية ومع ذلك تبنى الحزب الدخول في تحالفات مرحلية بحدود معقولة سواء الانضمام لمجلس سوريا الديمقراطية منذ٢٠١٥ او تشكيل التحالف الوطني الكردي مع أربع أحزاب كردية أخرى،
وفيما يتعلق بظاهرة إعادة التموضع الأيديولوجي لبعض القوى “المنشقة من نفس المدرسة”فإن الانتقال من خطاب “الاستقلالية” إلى تبني مرجعيات كردستانية (مثل المدرسة البارزانية) لا يمكن قراءته فقط بوصفه تناقضا، بل قد يعكس أزمة أعمق في بنية الهوية السياسية الكردية السورية التي ما تزال تتأرجح بين الكردي السوري والكردستاني دون أن تحسم موقعها بشكل نهائي.
برأي في المحصلة يقدم مقال الدكتور كاميران إطار نظريً مهم لفهم فكرة استقلالية القرار السياسي الكردي في سوريا ، لكنه يبقى بحاجة إلى توسيع دائرة التحليل لتشمل:
التحولات في طبيعة النفوذ القوى الكردستانية من التأثير الرمزي إلى التأثير المؤسسي.
مع الأخذ بعين الاعتبار*صعود نموذج حكم محلي بديل يمتلك أدوات فعلية على الأرض” الادارة الذاتية”.
*ودور المال السياسي والتدخلات الإقليمية في إعادة تشكيل الحقل السياسي.
*تفكك الحاضنة الاجتماعية نتيجة الحرب والتهجير.
*إعادة النظر في الفكرة ذاتها وليس فقط في آليات تطبيقها.
وبذلك فإن إشكالية “استقلالية القرار السياسي” لا تكمن فقط في فجوة بين النظرية والممارسة بل في التوتر المستمر بين مشروع فكري طموح وواقع سياسي معقد، يجعل من تحقيق هذه الاستقلالية مسألة نسبية، وليست حالة مطلقة.