حوران حم
في كل مرة تلوح فيها فرصة لإعادة ترتيب البيت الكوردي، يظهر في المقابل ما يعيدنا إلى نقطة البداية… أو ربما إلى ما هو أسوأ منها. ليس لأن الفرص نادرة، بل لأن الإرادة السياسية ما زالت أسيرة الحسابات الضيقة، والرهانات المرحلية، والخوف المزمن من الشراكة الحقيقية.
ما جرى ويجري اليوم في كوباني، من الدعوة إلى اجتماع لتشكيل مرجعية كوردية خاصة بالمنطقة، ليس حدثًا معزولًا يمكن قراءته في سياقه المحلي فقط، بل هو امتداد طبيعي لمسار طويل من محاولات التجزئة التي رافقت الحركة الكوردية في مختلف مراحلها. مسار يقوم على فكرة “إدارة الواقع كما هو”، بدل تغييره نحو ما يجب أن يكون عليه.
كوباني، التي تحولت يومًا إلى رمز عالمي للصمود الكوردي، لم تكن مجرد مدينة دافعت عن نفسها في وجه الهجمات، بل كانت لحظة نادرة تجسدت فيها وحدة الإرادة الكوردية، حين تلاقت البنادق مع الإرادة الشعبية، وحين شعر الكوردي في كل مكان أن هذه المدينة تمثله. لكن المفارقة المؤلمة اليوم، أن المدينة نفسها تُستدعى لتكون إطارًا لمرجعية مناطقية، وكأنها لم تكن يومًا رمزًا جامعًا.
السؤال هنا لا يتعلق فقط بمن دُعي ومن لم يُدعَ إلى هذا الاجتماع، رغم أهمية ذلك من ناحية الشكل السياسي والتمثيل، بل يتجاوز ذلك إلى جوهر الفكرة نفسها: لماذا مرجعية مناطقية؟ ولماذا الآن؟ وفي أي اتجاه تدفع هذه الخطوة القضية الكوردية؟
إن فكرة المرجعيات المناطقية، حتى وإن تم تبريرها بضرورات تنظيمية أو خصوصيات محلية، تحمل في جوهرها خطرًا كبيرًا، لأنها تشرعن الانقسام بدل أن تعالجه. فبدل أن تكون المناطق جسورًا نحو وحدة أوسع، تتحول إلى جزر سياسية منفصلة، لكل منها حساباتها وأولوياتها وتحالفاتها، وهو ما يضعف بالضرورة أي موقف كوردي عام في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.
التجربة الكوردية، سواء في سوريا أو في عموم كوردستان، مليئة بالدروس التي تؤكد أن الانقسام لم يكن يومًا عامل قوة، بل كان دائمًا الثغرة التي ينفذ منها الآخرون. من الانقسامات الحزبية التقليدية، إلى الصراعات على النفوذ، وصولًا إلى اختلاف المرجعيات السياسية، كانت النتيجة واحدة: إضعاف القدرة على فرض مشروع وطني جامع.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل ما يحدث اليوم عن السياق الأوسع للحركة الكوردية في سوريا، حيث ما زالت محاولات توحيد الصف تصطدم بعقبات داخلية قبل أن تكون خارجية. ورغم كل المبادرات التي طُرحت خلال السنوات الماضية، بقيت المشكلة الأساسية هي غياب الثقة، وغياب الإرادة الحقيقية لتقديم تنازلات متبادلة لصالح مشروع أكبر.
من هنا، فإن القفز نحو تشكيل مرجعيات جزئية، بدل الاستثمار في مشروع وطني شامل، يبدو وكأنه هروب إلى الأمام، أو محاولة لإعادة ترتيب التوازنات ضمن نطاق ضيق، بدل إعادة بناء المشهد السياسي الكوردي على أسس جديدة.
وإذا كان من المفترض أن يكون هناك مسار واضح نحو بناء مرجعية سياسية كوردية، فإن هذا المسار قد تم التوافق عليه نظريًا على الأقل، من خلال الدعوات المتكررة إلى عقد مؤتمر وطني كوردي جامع، يضم جميع الأطراف، وينتج وثيقة سياسية مشتركة تعبّر عن الحد الأدنى من التوافق. هذا هو الطريق الأصعب، نعم، لكنه الطريق الوحيد القادر على إنتاج شرعية حقيقية.
أما الطرق المختصرة، التي تمر عبر اجتماعات انتقائية أو أطر مناطقية، فقد تبدو أسهل في البداية، لكنها سرعان ما تتحول إلى عبء إضافي على المشهد، لأنها تضيف طبقة جديدة من الانقسام، وتخلق وقائع يصعب التراجع عنها لاحقًا.
إن ما يزيد من حساسية هذه الخطوة، هو توقيتها، في ظل وجود مخرجات سابقة أكدت على ضرورة وحدة الصف، وفي ظل الحاجة الملحّة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى موقف كوردي موحد، قادر على التعامل مع التحولات المتسارعة في المنطقة. فالقضية لم تعد تحتمل ترف التجارب الجزئية، ولا مغامرات إعادة إنتاج الانقسام بأشكال جديدة.
وفي هذا الإطار، فإن عدم دعوة قوى سياسية فاعلة، مثل تيار الحرية الكوردستاني، لا يمكن اعتباره مجرد سهو أو تفصيل ثانوي، بل هو مؤشر على طبيعة هذا المسار، وحدود تمثيله، والغاية منه. لأن أي مشروع لا يقوم على الشمول، محكوم عليه منذ البداية بأن يبقى ناقصًا، مهما حاول القائمون عليه إضفاء صفة “المرجعية” عليه.
لكن، ورغم كل ذلك، فإن النقد وحده لا يكفي. لأن المشكلة في النهاية ليست في هذا الاجتماع أو ذاك، بل في العقلية السياسية التي ما زالت ترى في الشراكة خطرًا، وفي الوحدة تهديدًا لمصالحها. وهذه العقلية لن تتغير إلا بضغط وعي سياسي جديد، وبحضور قوى تؤمن فعلاً بأن المشروع الوطني أكبر من أي إطار حزبي أو مناطقي.
لقد أثبتت التجارب أن الضامن الحقيقي لأي وحدة كوردية مستقبلية، لن يكون الاتفاقات الهشة بين الأحزاب فقط، بل دور المستقلين، والنخب الوطنية، والقوى المجتمعية التي لا ترتبط بحسابات السلطة والنفوذ. هؤلاء يمكن أن يشكلوا صمام أمان لأي مشروع وطني، ويمنعوا انزلاقه نحو إعادة إنتاج الانقسام.
في النهاية، ما يحدث اليوم في كوباني هو اختبار جديد… ليس فقط للقوى التي دعت إلى هذا الاجتماع، بل لكل الحركة الكوردية. اختبار بين خيارين واضحين: إما الاستمرار في تدوير الأزمة عبر صيغ جزئية ومؤقتة، أو الذهاب نحو حل جذري يبدأ بالاعتراف بأن لا أحد يمكنه تمثيل الكورد وحده، وأن الشرعية لا تُبنى في الغرف المغلقة، بل في فضاء وطني جامع.
قد يكون الطريق إلى هذا الفضاء طويلًا ومعقدًا، لكنه الطريق الوحيد الذي يستحق أن يُسلك. لأن البديل، بكل بساطة، هو البقاء في الحلقة ذاتها… حيث كل محاولة للحل، تتحول إلى بداية أزمة جديدة.