الكرامة الإنسانية وحسابات المصالح السياسة: مأساة غزال مولان واختبار الضمير في السليمانية

لوند حسين*

 

لم تكُن إصابة واستشهاد الپێشمەرگە الكُردستانية غزال مولان حادثةٌ عابرة في سياق الصراع، بل لحظة اختبار حقيقية لمنظومة القيم الإنسانية والقانونية في إقليم كُردستان- مناطق سيطرة حزب الاتحاد الوطني الكوردستاني، وتحديداً في مدينة السليمانية؛ لحظة كان يُفترض أن تنتصر فيها الأخلاق على السياسة، وأن تُفتح أبواب المستشفيات ودور العبادة أمام إنسانة تنزُف، لا أن تُغلق في وجهِها.

المؤلم في هذه المأساة لا يقف عند لحظة الإصابة، بل يمتد إلى ما بعدها:

حين لم تستقبل مشافي السليمانية الجريحة لتلقي العلاج كما تقتضيه أبسط الواجبات الإنسانية، ثم فارقت الحياة مُتأثرةٌ بإصابتها؛ وكأن هذا الانتهاك الصارخ لم يكُن كافياً، ليأتي مشهدٌ آخر أكثر قسوةً، حين لم تُستقبل جنازتها في جوامع المدينة للصلاة عليها، في سلوكٍ يصطدم مع القيم الدينية والاجتماعية التي طالما شكّلت جوهر عادات وتقاليد المُجتمع الكُردي.

إنَّ التعامل مع الجرحى في أوقات النزاعات ليس خياراً سياسياً، بل التزام قانوني وأخلاقي واضح؛ فوفق اتفاقيات جنيف لعام 1949، وخاصة المادة (3) المشتركة والمادة (12)، يجب مُعاملة الجرحى والمرضى مُعاملة إنسانية، وتقديم الرعاية الطبية لهم دون تمييزٍ أو تأخير؛ هذه المبادئ لا تقبل التأويل، ولا تُعلّق تحت أي ذريعة، وأيّ انتهاكٍ لها يضع المسؤولين أمام مُساءلة أخلاقية وقانونية.

ما يُثير القلق ليس فقط ما حدث، بل ما يكشفهُ من خللٍ عميق:

حين تتعطل هذه المبادئ داخل مؤسسات مدنية – كمستشفيات وجوامع – فإنّنا لا نكون أمام حادثة فردية، بل أمام مؤشر خطير يتغلّب عليها الاعتبارات السياسية على القيم الإنسانية.

وهُنا، تبرز مسؤولية القوى الحاكمة في المدينة، وفي مقدمتها حزب الاتحاد الوطني الكوردستاني، التي تتحمل مسؤولية مباشرة في حماية حياة الإنسان، وضمان حياد المؤسسات الصحية والدينية عن أي ضغط أو توجيه سياسي؛ إنَّ أي إخفاق في هذا الدور لا يمكن التقليل من خطورته، لأنهُ يمس جوهر الشرعية الأخلاقية قبل السياسية.

إن ما حدث يفتح باب التساؤلات المشروعة:

هل أصبحت القرارات الإنسانية رهينة توازنات إقليمية؟

وهل يمكن أن تُقدَّم اعتبارات سياسية – أيّاً كان مصدرها – على حياة إنسان وعلى حُرمة الموت؟

لا يُمكن الجزم بدوافع محددة دون أدلة قاطعة، لكن من المشروع طرح هذه الأسئلة، خاصة في ظل حساسية العلاقة مع إيران وتأثيرها في المشهد الإقليمي؛ إنَّ أيّ انطباع بأن حياة إنسان أو كرامته يمكن أن تُربط بهذه الحسابات، يضر بسمعة المؤسسات ويقوّض ثقة الناس بها، والتي هي أصلاً كانت موضع الشك في ما تُمارسهُ قيادة حزب الاتحاد الوطني الكوردستاني لمصالحِهِ الحزبية خلال تاريخه، ضارباً بعرض الحائط كُل مصالح شعب كُردستان.

إن هذه الممارسات، التي تُعدّ خرقاً صريحاً لمبادئ اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني، لا تُدان قانونياً فحسب، بل تتعارض أيضاً مع جوهر القيم الدينية التي تُقدّس حياة الإنسان وكرامته. يقول الله تعالى:

{وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}– سورة المائدة: 32

ويقول: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَان}– سورة النحل: 90

وبذلك، فإن أي تقصير في إنقاذ حياة إنسان أو انتهاك لكرامته لا يُعدّ مُجرد مخالفة قانونية، بل هو – بحسب مقاصد الشريعة الإسلامية – تفريطٌ في حفظ النفس التي جعلها الإسلام من أعظم الضروريات، وهو تقصيرٌ في أداء فريضة شرعية قبل أن يكون خطأً إدارياً أو سياسياً؛ وإنّ المسؤولية في هذا السياق تقع أيضاً على عاتق أهل المنبر والدعوة من العلماء والشيوخ والأئمة في مدينة السليمانية- إقليم كورستان (العراق)، إذ يُفترض أن يكونوا صوت الحق وحُماة القيم الدينية، لا أن يصمتوا أو ينحازوا تحت أي ضغط سياسي؛ فالدين الذي يأمر بإنقاذ النفس وإكرام الميت، لا يقبل أن تُترك هذه الواجبات رهينة حسابات سياسية أو مواقف ظرفية؛ فكيف يُترك الجريح دون علاج؟ وكيف تُمنع جنازة من صلاة الوداع؟

إن هذه الأسئلة ليست عاطفية فقط، بل تمس صميم القيم التي يدّعي الجميع الالتزام بها.

استشهاد غزال مولان لم يكن مُجرد فقدان حياة، بل كان سقوطًاً أخلاقياً مُؤلماً في امتحان القيم الإنسانية؛ وهنا يستدعي مُراجعة جدية لدور المؤسسات، ولمدى استقلالية القرار الإنساني عن الضغوط السياسية، ومحاسبة كُلّ من قصّر أو تواطأ بالصمت.

ما جرى لا يمكن توصيفه كتقصير عابر أو خطأ إداري، بل يرتقي إلى مستوى المسؤولية المباشرة عمّا انتهت إليه المأساة؛ فحين تُغلق أبواب المستشفيات أمام جريحة تنزف، وحين تُغلق أبواب الجوامع أمام جنازتها، فإن ذلك لا يكون حياداً ولا موقفاً سلبياً، بل إن إدارات المؤسسات الصحية والقائمين على المساجد في مدينة السليمانية يتحملون كما النظام الإيراني مُشاركة فعلية في قتلِها.

سيبقى هذا الحدث جرحاً مفتوحاً في الذاكرة الشعبية الكُردية، لكنهُ قد يتحول إلى لحظة وعي ويقظة ضمير لمؤيدي ومُناصري هذا الخط السياسي للاتحاد الوطني والمشكوك في كُرديتِهِ؛ إذا ما تم التعامل مع هذا الحدث المأساوي بصدُق، ومسؤولية، وإرادة حقيقية لعدم تكرارهِ.

الرحمة للشهيدة الپێشمەرگە غزال مولان، والعدالة لكُلِ إنسانٍ حُرم من حقه في الحياة والكرامة.

ستبقى روح الشهيدة خالدة، وذكراها وصمةَ عار في جبين قادة الاتحاد الوطني الـ لا كوردستاني.

 

ألمانيا: 18 نيسان 2026

* كاتب وصحفي كُردي

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…