التحديات التي تواجهها واشنطن بعد “فشل” المفاوضات أو “التخلي” عنها

رفعت حاجي
تواجهُ واشنطن تحدياتٍ مختلفة بعد فشل المفاوضاتِ في إسلام آباد، أولها التمعن في الرسائل الإيرانية المشفرة، فأن الجلوس للمفاوضات لاتعني الإستسلام، كما أن المغادرة ليس بالضرورة تكون العودة إلى المربع الأول من الخصام، بل تكون مناورةً لكسب ما يمكن استغلاله من الوقت، رغم التنازلاتِ الجزئية، لينصدم بعامل ابزاز بديل، ربما تغير في العواملِ المؤثّرة على القرارِ الإيراني وخطاب ساستها التي قادت إلى الحرب الأخيرة.
فالنظام يستندُ في الدَّاخل إلى جملة من العوامل التي تجعلها أقوى، ومنها الكتلة البشرية المنبهرة بخطابها المعادي لأمريكا (وإن لم تعد هي الغالبية)، وكذلك الميليشيات التي ترعاها في محيطِه الخارجي. إذ يحاول النظام إيهامها بأنّه المنتصر، فالدعايةُ جزءٌ من وسائلِ السيطرة على الوضع، إلا أن الوقت بدأ ينفذ أمامها في الحفاظ على هذين العاملين، فالأول ينحسر نتيجة الحصار الاقتصادي والانخراطِ العسكري الطويل في المنطقة، والثاني بدأ يتقهقر في مجابهة مهامه الصعبة بسبب غياب التمويل الكافي، وتآكل رصيده في الحاضنة البشرية (من حيث العدد).
لذا ليس بخاف على طهران أن تتعمَّدَ إرباكَ المفاوضات، من أجل كسب الوقت لترميم مجاذيفه عبر منهج سياسته الخارجية الماكرة، مع إخفاء تعابيرَ وجه المفاوض بحنكة دبلوماسية، إن كانَ ينوي المضي بجدية أو التماطل أو الانسحاب.
تعتمد دبلوماسية التفاوضِ عند الفريق الإيراني على تكتيك استمالة الكفة لصالح الوقت متعمّداً التعقيد في المفاوضات، واللعب على حافة الهاوية. فلن نتفاجأ إن عاد وفد إيران التفاوضي أدراجه إلى إسلام آباد، مبدياً مرونة في معالجة إحدى القضيتين اللمهمتين (التخصيب النَّووي و فتح مضيق هرمز)، أو كلاهما، وهذا ما ينتظره العالم في ساعات عصيبة.
أما في حال إصرار واشنطن على نزع التنازلات من دون إبداء فرصة لإعادة الأنفاس، سيكونُ العالم أمام احتمالين لا ثالث لهما،”إما الحرب الحصار” وكلاهما لا ينفكان العالم منه إلا بتغيير الحكم في طهران، وهو تحدٍ لا يحبّذه الإدارة الأمريكية.
فواشنطن ستتأكّ من احتمال اطراء تعديل على تفكير السلطات الإيرانية (التي قام بتقليمها خلال 39 يوماً) بإيقاف الحربَ، وامتحان قيادة إيرانَ الجديدة، قد تميلُ إلى سياسة جديدة بعد ما لحق بهم من هزائم، وإمكانية التنازل عمّا تبقَّى من أدواتها التي تذخر بمشروعها التَّوسعي في المنطقة، من ميليشيات متشددة ووكلاء في الإرهاب، وكذلك نهجها في التخصيبِ والمنظومة الصاروخية، واستعداداتها للتحول واستبدال منهجها ومؤسساتها إلى نظام مسالم، ليظل الخيار الأخير خيط نجاة للجميع.
قررت إدارة ترمب أن تختبر ما يطمح إليه الجميع ما إذا كانت إيرانَ مستعدةً للتغيير أو أن القتال فُرض على ترامب من حاضنة إسرائيلية لا جسارة لترامب الرد ولا الرفض، أودت بمفاوضاتُ إسلام آباد، إلى ما آلت إليه سابقاتها من المفاوضات (جنيف)، وكرست قرار “استئناف الحرب” الخاسرة أصلاً. إلا أن تعنّت إيرانَ برفض التخلي عن التخصيب النووي، الذي هو أساسُ النّزاع، والدافع الأول للحرب. اتَّضح أنَّ إيران سارٍ على سياسةَ مرشدها رغم مقتله.
أما الخيارُ الثاني عند الإدارة الأميركية، “الحصار” وزعزعة الأوضاع الداخلية، تحت ضغط مركب “حصار متشدد، وأزمة طاقة خانقة، وبنية خدمية متآكلة، ومجتمع يزداد إنهاكاً جراء نقصِ الموارد المالية، تُدفع إلى حافة الاختناق، ثم تُجبر على القتال اليومي من أجل البقاء.
لذلك ولتقويضِ النّظام في طهران يحرّك ترمب البحرية الأمريكية في عملية تهدف إيقاف جميع السفن التي تحاول دخول مضيق هرمز أو مغادرته”. وستشارك دول أخرى في هذا الإغلاق بوقف مرورِ ناقلات نفط إيرانَ التي تستمتع حالياً وحدَها بإغلاق المضيقِ على ناقلات خصومِها. أمل أن يتسبب ذلك في تحريك المعسكر الداخلي المعارض في إيران. ويرجّح أن تضغط الدول المتضررة مثل “الصين والهند” على طهرانَ لفكّ الحصار عن المضيق.
هذه الاستراتيجية لا يمكن أن يمرّ من دون أن يكون له انعكاساته السياسية على مختلف القضايا الإقليمية، ربما تكون عاملاً في تحييد دول الخليج والعراق والأردن عن الحرب، إلّا إن الأهم هو ما يمكن رصده من ردات الفعل الأمريكية، وما أرسلته واشنطن من إشارات غامضة ومتضاربة تتراوح ما بين الاستعداد للمواجهة، وبين إعلان بدء التجمع العسكري للهجوم لا للانسحاب.
ربما في الأمر خدعة استراتيجية تعتمد مناورة سياسية محدودة الأفق والتفكير، فحتى اللحظة، تبدو الأمور سائرة نحو التصعيد ، إلّا إن ذلك لا يعني بالضرورة أن المسار العام لن يشهد استراتيجية “الكل أو لا شيء” فمع تحريك أساطيل أمريكية لفرض حصار شامل كاستراتيجية ضغط مباشر، لا يمنع من نشوبِ الحرب من جديد، إثر تفاقم أزمة الطاقة وحدوث اضطرابات حادة في أسواق النفط العالمية.
ما يتطلب ايجاد بدائل استراتيجية عبر الإسراع في وضع حل لمضيق هرمز، حيث تفرض إيران قيوداً وتتحكم في حركة المرور حتى في ظل التهديدات، ويُعد هذا الوضع من أبرز الأزمات في تاريخ سوق النفط العالمي، حيث يربط بين التصعيد العسكري وحركة الاقتصاد الدولي.
تباينت ردود الأفعال وتعددت التفسيرات والتأويلات، فهل تندرج المفاوضات ضمن سياق “المؤامرة” التي تحاك لتصفية الحسابات عبر التفاوض كما يقول البعض، فطهرانُ التي خسرت أوراقَها التفاوضية السابقة قد تتمسَّك بورقة إغلاقِ المضيق متحديةً القواتِ البحرية الأميركية ومتجاهلةً الدعوات العالمية. أم أنه منطق الصراع ضمن موازين القوى في عالم شديد التعقيد وسريع التغير ويموج بالتناقضات في المصالح والأهداف؟
ولا ننسى أن الأزمةَ تدار بشكل غيرِ عقلاني، و تزداد المخاوف من الفراغ الأمني الذي سيتمدد في حال قررت الإدارة الأميركية التخلي عن المفاوضات. فهل فعلاً بدأ العد العكسي للتهديد الإيراني في المنطقة، أم أن هناك خطوات مجهولة تستعد واشنطن لاتخاذها بعيداً عن أجهزة الرصد؟
========= 
العدد 774 لصحيفة كوردستان

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عاكف حسن لا يمكن بناء أي مستقبل على الخوف، ولا يمكن حماية مجتمع عبر كسر إرادته. من هذه الحقيقة البسيطة تبدأ كل الأسئلة، وتنتهي كل الذرائع. ما تمارسه “جوانن شورشكر” ليس عملاً سياسياً ولا نشاطاً مجتمعياً، بل سياسة قائمة على إخضاع الناس عبر الترهيب، وعلى تحويل الخوف إلى أداة حكم يومي. أخطر ما في هذه الممارسات ليس فقط القمع، بل…

كوردي زيوكي   يخطئ النظام الإيراني إذا لم يفهم أن عدم ردّ إقليم كوردستان وبقية الكوردستانيين في العالم على هجمات الدولة الإيرانية ليس من باب الضعف أو عدم القدرة على المواجهة، ولا من باب غياب ردّة الفعل، أو أن يُفسَّر موقف كوردستان ذريعةً لزيادة التوسع في اعتداءاتهم المتكررة وغير الإنسانية، في محاولةٍ لإلحاق أكبر ضرر بالبنية التحتية والمنشآت المدنية في…

لوند حسين*   في لحظة سياسية معقدة تعيشها سوريا عموماً، والحركة السياسية الكُردية خصوصاً، تتكاثر الاطروحات التي تسعى إلى تفسير الأزمة وتشخيص أسبابها واقتراح مخارج لها، تحت عناوين من قبيل «إعادة البناء» و«تصحيح المسار»؛ ورغم أن بعض هذه الاطروحات يتسم بقدر من الجرأة في نقد الداخل الكُردي، إلا أنه يقع في إشكالية جوهرية تتمثل في اختزال أزمة مركّبة في بُعدها…

المحامي حسن برو في خضم السجال السياسي الذي رافق رسالة التهنئة الصادرة عن حزبي الوحدة الديمقراطي الكردي والحزب الديمقراطي التقدمي الكردي بمناسبة انتخاب رئيس جمهورية العراق نزار آميدي، تبرز الحاجة إلى قراءة هادئة تجمع بين الدقة القانونية والطرح الإعلامي المسؤول بعيدا عن التوصيفات المتسرعة أو الأحكام الانفعالية. من حيث الأساس القانوني لا يمكن اعتبار رسالة التهنئة فعلًا تدخليا في الشأن…