الحركة الكُردية بين منطق تقليل الخسائر وتدوير الأزمة

لوند حسين*

 

في لحظة سياسية معقدة تعيشها سوريا عموماً، والحركة السياسية الكُردية خصوصاً، تتكاثر الاطروحات التي تسعى إلى تفسير الأزمة وتشخيص أسبابها واقتراح مخارج لها، تحت عناوين من قبيل «إعادة البناء» و«تصحيح المسار»؛ ورغم أن بعض هذه الاطروحات يتسم بقدر من الجرأة في نقد الداخل الكُردي، إلا أنه يقع في إشكالية جوهرية تتمثل في اختزال أزمة مركّبة في بُعدها الداخلي، مع تغييب العوامل البنيوية التي أسهمت في إنتاجها وما تزال تتحكم بمآلاتها.

تُقدَّم العديد من هذه الخيارات لا بوصفها مواقف سياسية متكاملة، بل كمنهج يقوم على البحث عن أقل الخسائر وأكثر الخيارات أماناً، في ظل مرحلة تتسم بالتراجع والضغط، كما يظهر في الأزمات التي طالت بعض الأحزاب، ومنها أزمة حزب يكيتي الكُردستاني مُؤخراً؛ غير أن الإشكالية تبدأ عندما يتحول هذا المنطق من أداة ضمن الرؤية السياسية إلى بديل عنها.

فالأزمة، وإن تجلّت في تشتت الأحزاب وضعف القيادات والتبعية للمحاور الخارجية، لا يمكن اختزالها في هذه العوامل وحدها؛ إذ إن هذه ليست سوى نتائج لأزمة أعمق، وليست أسبابها الحقيقية.

هنا يبرز السؤال المركزي الذي يغيب عن كثير من هذه الطروحات:
هل يمكن لحركة سياسية أن تكون فاعلة ضمن دولة غير ديمقراطية ولا تعترف بالتنوع دستورياً؟

إن الحديث عن (عهد جديد) في سوريا، بوصفه فرصة تاريخية قائمة على انتهاء الاستبداد أو توفر هامش من الحرية، يتطلب قبل كل شيء مساءلة هذا (العهد) نفسه:

  • هل يعترف بالتعدد القومي والطائفي؟
  • هل يقبل بإعادة توزيع السلطة؟
  • هل يطرح نموذجاً لا مركزياً للحكم؟

إن تجاهل هذه الأسئلة، أو القفز فوقها، يحوّل أي مشروع سياسي إلى رهان غير محسوب، ويجعل من «إعادة البناء» مجرد عملية تنظيمية داخل إطار لم يتغير في جوهره.

ومن اللافت أن العديد من الطروحات لا تمنح مسألة اللامركزية السياسية ما تستحقه من اهتمام، رغم أنها تمثل جوهر الخلاف بين الكُرد والدولة السورية؛ فأي مشروع كُردي -سواء تمثل في مؤتمر جامع أو قيادة موحدة- لن يكون ذا معنى فعلي، ما لم يُحدَّد بوضوح شكل الدولة التي يُراد التفاوض ضمنها.

إن تجاهل هذا البعد يجعل الجهود المبذولة أقرب إلى إعادة ترتيب البيت الداخلي ضمن الإطار المركزي القائم، لا محاولة تغييره.

في هذا السياق، تبرز دعوات إلى تجاوز العمل الحزبي التقليدي نحو «فضاء حركي واسع» كخيار أكثر مرونة وأقل كلفة؛ غير أن المشكلة لا تكمن في شكل التنظيم، بل في غياب المشروع السياسي الواضح؛ فالأحزاب لم تفشل لأنها أحزاب، بل لأنها:

  • لم تنتج قراراً سياسياً مستقلاً
  • ولم تنجح في تمثيل مجتمعها تمثيلاً حقيقياً

وعليه، فإن استبدال الأطر دون معالجة المضمون قد يبدو خياراً «أسلم» شكلياً، لكنه لا يضمن أي تغيير جوهري.

كما تُطرح فكرة فك الارتباط، أو تجميده، مع المحاور الكُردستانية كخيار لتحقيق الاستقلالية؛ إلا أن هذا الطرح يتجاهل طبيعة القضية الكُردية بوصفها قضية شعب واحد قُسِّم وطنه، دون إرادته، بين أنظمة إقليمية متباينة، لم تدّخر جهداً ولا وسيلة في سبيل طمس هوية الشعب الكُردي، والعمل على صهرهِ قسراً في بوتقة قومياتها وإلغاء الخصوصية القومية الكُردية؛ لذلك، فإن المطلوب ليس القطيعة، بل:

إعادة تنظيم العلاقة ضمن إطار مؤسساتي متوازن، يجمع بين الاستقلالية والامتداد القومي الكُردستاني.

إذ إن العزلة السياسية ليست بالضرورة خياراً أقل كلفة، بل قد تتحول إلى عبء استراتيجي على المدى البعيد.

وفي السياق ذاته، يُطرح عقد مؤتمر كُردي سوري جامع كمدخل (آمن) لإعادة ترتيب البيت الداخلي؛ غير أن التجارب السياسية تُظهر أن المؤتمرات ليست نقطة بداية، بل نتيجة لتوافقات ناضجة. فمن دون:

  • مشروع سياسي واضح
  • مرجعية مُشتركة
  • حد أدنى من الثقة

قد يتحول المؤتمر إلى مساحة جديدة لإعادة إنتاج الخلافات، بدلاً من أن يكون أداة لحلها.

تكمن المفارقة في أن هذه الاطروحات تسعى إلى تجنب المخاطر، لكنها لا تواجه جذورها؛ فهي تُقدِّم خيارات قد تبدو أقل ضرراً، دون أن تحدد بدقة جدواها، أو توازناتها، أو أفقها السياسي.

إن السياسة لا تُختزل في منطق تقليل الخسائر، بل في القدرة على تحقيق الأهداف بأقل كلفة ممكنة، مع الحفاظ على جوهر القضية الكُردية وحقوق الشعب الكُردي المشروعة؛ وعندما يغيب هذا التوازن، تتحول (الخيارات الآمنة) إلى مُبرر للركود وإعادة إنتاج الفشل، وإلى آلية لإعادة إنتاج الأزمة بصيغ أقل ضجيجاً وأكثر رسوخاً.

لذلك، لا يكمن التحدي في اختيار ما هو أقل ضرراً فقط، بل في بناء رؤية سياسية تجعل من هذا الخيار جزءاً من استراتيجية شاملة، لا بديلاً عنها.

وفي المحصلة، فإن أي مشروع جدي لإعادة بناء الحركة السياسية الكُردية لن ينجح، ما لم ينطلق من حقيقة واضحة:

الأزمة ليست فقط في انقسام الحركة، بل في طبيعة الدولة السورية، التي لم تعترف حتى الآن بالتعدد القومي دستورياً، ولم تُبدِ استعداداً حقيقياً لإعادة توزيع السلطة.

وما لم يُطرح هذا السؤال بوضوح، ستبقى كل دعوات الإصلاح الداخلي -مهما كانت جادة- تدور ضمن سقفٍ سياسي مغلق بإحكام، يحدّ من إمكانية الوصول إلى حلٍ فعلي.

* كاتب وصحفي كُردي
ألمانيا ١٦ نيسان ٢٠٢٦

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حسن قاسم منذ أكثر من قرن، وما يزال الشعب الكوردي يعيش تداعيات تقسيم جغرافي وسياسي فرضته اتفاقيات دولية رسمت خرائط المنطقة وفق مصالح الدول الكبرى، وفي مقدمتها اتفاقية سايكس بيكو. ومنذ ذلك التاريخ تحولت كوردستان إلى قضية شعب مقسم بين عدة دول، محروم من حقه الطبيعي في تقرير مصيره، رغم كل التضحيات والانتفاضات التي قدمها عبر مراحل طويلة من التاريخ….

خالد حسو إن أي حديث عن العدالة في الدول المتعددة القوميات والثقافات لا يمكن فصله عن مبدأ الاعتراف بالتنوع، لا بوصفه تفصيلًا ثانويًا، بل كركيزة أساسية لمفهوم المواطنة المتساوية. إن قضية إزالة اللغة الكوردية من يافطة قصر العدل تطرح تساؤلات أعمق حول صورة الدولة في مؤسساتها العامة، ومدى انعكاس التعدد القومي والثقافي في رموزها، لأن الرموز ليست شكلًا إداريًا فقط،…

فيصل اسماعيل لم يعد معبر سيمالكا مجرد نقطة عبور حدودية بين غرب كوردستان وإقليم كوردستان العراق، بل تحول خلال السنوات الماضية إلى شريان حياة اقتصادي وإنساني واجتماعي لعشرات آلاف العائلات الكوردية على طرفي الحدود. ولذلك فإن رفع الرسوم الجمركية وأجور الشحن والنقل لا يمكن اعتباره قراراً مالياً عادياً، لأن انعكاساته المباشرة تصيب المواطن البسيط قبل أي جهة أخرى. فكل زيادة…

كردستان يوسف   في البدء، كان الفرح تعبيراً جسدياً خالصاً… قبل اللغة و الكلمات، وكان الإنسان القديم يعبر عن بهجته بالقفز والدوران، بالرقص المحموم حول النار، وكانت هذه هي لغة الفرح في أنقى صورها، وطاقة حياة يتم تفريغها بالصوت والحركة واللمس، لتقوية أواصر التجمعات البشرية لإعلان مظاهر الفرح بكل نقاء. ومع تطور المجتمعات، استطاع الإنسان تأطير أساليب تعبيره عن الفرح…