جنرال القمع على طاولة الدبلوماسية.. رسائل إيرانية مشفرة من إسلام آباد!

نظام مير محمدي *

 

أثار حضور إسماعيل أحمدي مقدم ضمن وفد النظام الإيراني المفاوض في إسلام آباد جملة من التساؤلات الجوهرية، واستقطب اهتمام المحللين والمراقبين السياسيين. فبينما تُبنى الوفود الدبلوماسية عادة من وجوه تتقن لغة الحوار والبروتوكول، جاء إقحام هذه الشخصية الأمنية المثيرة للجدل ليعكس أولويات هيكلية السلطة في طهران، ويؤكد سيطرة العقلية القمعية على المشهد السياسي، حتى في أكثر أروقة الدبلوماسية حساسية.

إن نظرة فاحصة على تركيبة الوفد، الذي ترأسه محمد باقر قاليباف وضم وزير الخارجية عباس عراقجي، ومحافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي، وعلي أكبر أحمديان أمين المجلس الأعلى للدفاع، تضعنا أمام استفهام كبير: ما الذي يفعله قائد سابق لقوى الأمن الداخلي، ذو سجل حافل بالانتهاكات، في مفاوضات دولية؟ إن هذا الاختيار يبرز الهوية الأمنية المتجذرة للنظام، ويبعث برسالة واضحة للمجتمع الدولي بأن “النهج القمعي” هو الثابت الوحيد، وأن الوجوه الدبلوماسية ليست سوى قشور لتغطية لبٍّ أمني متصلب.

سجل أسود في قمع الحريات

تستحضر ذاكرة الإيرانيين مع اسم إسماعيل أحمدي مقدم أحداث عام ۲۰۰۹، حين كان قائداً لقوى الأمن الداخلي. ففي تلك الحقبة، لعبت القوات تحت إمرته دوراً مباشراً في السحق الدموي للاحتجاجات الشعبية، حيث غصت الشوارع بجثث المتظاهرين. ولا يزال الهجوم الوحشي على سكن طلاب جامعة طهران في يونيو ۲۰۰۹، وما تبعه من تنكيل وتدمير، شاهداً على فظائع تلك المرحلة التي جرت تحت إشرافه المباشر. علاوة على ذلك، ارتبط اسمه بمركز احتجاز “كهريزك” المرعب، الذي شهد مقتل العديد من المعتقلين تحت التعذيب، وهو المركز الذي كان يخضع بالكامل لسلطة قوى الأمن الداخلي. كما لا يُنسى تصريحه الصادم في نوفمبر عام ۲۰۱۲ حول مقتل العامل والمدون “ستار بهشتي”، حيث عزا وفاته إلى “صدمة نفسية”، في محاولة مكشوفة لإنكار جريمة القتل التي ارتكبها عناصره. وصولاً إلى انتفاضة ۲۰۲۲ ومقتل الشابة “مهسا أميني”، وصف أحمدي مقدم الحدث بأنه “شفرة انطلاق الفتنة”، مما يؤكد استمراره في ذات النهج العدائي ضد تطلعات الشعب.

شبهات الفساد المالي

إلى جانب السجل الأمني القاتم، لاحقت أحمدي مقدم اتهامات بالفساد الاقتصادي خلال فترة توليه المسؤولية. وعلى الرغم من محاولات النظام التستر على هذه الملفات، إلا أن تقارير عدة أشارت إلى تجاوزات مالية ضخمة مرتبطة بمؤسسات تابعة لقوى الأمن، مما رسم صورة مركبة لشخصية تجمع بين القبضة الأمنية الحديدية والاستغلال المالي، وهي الصورة التي تضفي ظلالاً من الريبة على حضوره في وفد يتفاوض على قضايا مصيرية.

خلاصة القول: الانسداد السياسي واستمرار المواجهة

لطالما أكدت السيدة مريم رجوي، رئيسة الجمهورية المنتخبة من قبل المقاومة الإيرانية، في خطاباتها – ومنها خطابها أمام البرلمان الأوروبي في يونيو ۲۰۲۵ – على أن هذا النظام غير قابل للتفاوض، مشددة على أن “الحرب الحقيقية هي حرب الشعب والمقاومة ضد الفاشية الدينية، والحل الوحيد هو إسقاط النظام”. وأوضحت أن تمسك النظام بالقنبلة النووية هو “ضمانة لبقائه”، وأن أي تراجع عنها يراه النظام أقصر طريق لسقوطه.

إن وجود وجه منبوذ مثل أحمدي مقدم في الوفد الدبلوماسي لا يمكن تفسيره إلا كإصرار على مواصلة البرنامج النووي وتصعيد القمع الداخلي. وقد انعكس هذا الانسداد في تصريحات “جي دي فانس”، نائب الرئيس الأمريكي، الذي أشار إلى غياب “الالتزام الأساسي” من جانب إيران بعدم تطوير أسلحة نووية. كما أقر محمد باقر قاليباف والمتحدث باسم الخارجية بفشل المفاوضات في ردم الفجوة الكبيرة في وجهات النظر حول القضايا الجوهرية.

ختاماً، إن حضور جنرال القمع في إسلام آباد يثبت للعالم مرة أخرى أن هذا النظام لا يملك إرادة للتغيير، وأن “دبلوماسية المشانق” هي اللغة الوحيدة التي يتقنها، مما يجعل الرهان على أي توافق يحقق السلام والاستقرار رهاناً خاسراً بالضرورة.

* كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي يواجه إقليم كردستان، أرض الصمود ونبض الجبل ووجع الحرية، مرة أخرى تداعيات صراع إقليمي لم يكن طرفاً مباشراً فيه، ولا يملك قرار اندلاعه، لكنه يتحمل جانباً من نتائجه الأمنية والسياسية. وتأتي الهجمات التي تستهدف مؤسسات الإقليم وشخصياته الرسمية بالصواريخ والطائرات المسيّرة لتطرح تساؤلات جدية حول احترام أمن كردستان وسيادة العراق واستقراره، ومسؤولية الأطراف الإقليمية والدولية في منع تحويل…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن المقاومة الإيرانية، شأنها شأن الشعب الإيراني، تطالب بجمهورية ديمقراطية قائمة على فصل الدين عن الدولة، والمساواة بين المرأة والرجل، وإلغاء عقوبة الإعدام، وإيران غير نووية خالية من أسلحة الدمار الشامل، مبنية على السلام والتعايش والتعاون الدولي والإقليمي، وتناضل من أجل إحقاق حقوق شعبها. وبعبارة أخرى، فهي تعمل قبل كل شيء على نقل السيادة إلى أصحابها الحقيقيين،…

عزالدين ملا في ذكرى ميلاد الرئيس مسعود بارزاني، تتجاوز المناسبة حدود الاحتفال بميلاد شخصية سياسية، لتصبح محطة تستعيد فيها الذاكرة الكوردستانية محطات طويلة من النضال والتضحيات والتحولات التي رافقت مسيرة الشعب الكوردي. فاسم مسعود بارزاني ارتبط، بالنسبة إلى شريحة واسعة من أبناء كوردستان، بتاريخ الحركة التحررية الكوردستانية وبمرحلة الانتقال من زمن الثورة والمواجهة إلى زمن المؤسسات والسياسة والدبلوماسية، ولذلك تحضر…

خالد حسو من يتخلّى عن قضيته الوطنية والمصيرية، تحت أي ذريعة كانت، سواء أُطلق عليها اسم التكتيك أو السياسة أو الواقعية أو الحسابات المرحلية، لا يخسر موقفًا عابرًا فحسب، بل يغامر بمكانته في ذاكرة شعبه والتاريخ. فالتاريخ لا يحفظ أسماء الذين فرّطوا بالحقوق حين اشتدّت المحن، ولا يكرّم من جعلوا من التراجع فضيلة، ومن التنازل سياسة، ومن الصمت حكمة. قد…