عبد الجابر حبيب
هويةٌ مُفصَّلةٌ على مقاسهم:
ثمّة لحظةً صغيرةً، حميمةً حدَّ الوجع، يكفي فيها أن ينظر الإنسان إلى اسمِهِ ليشعر أنّه موجودٌ، يتنفّس الحياة بكلّ ما فيها من جمال وهشاشة. الاسمُ ليس حروفاً تُرصّ على بطاقةٍ بلاستيكية، بل هو دفء الأم حين تنادي، وارتجاف الذاكرة، وهي تعود إلى أوّل الطريق، إلى تلك النقطة التي بدأ منها كلّ شيءٍ ولم يكن فيه شيءٌ مزوّرٌ.
فما الذي يحدث حين تمتدّ يدٌ باردةً، إداريّةً، لتعيد كتابة هذا الاسم؟ حين يُطلب من المرء، بهدوءٍ قاتلٍ، أن يوقّع على نسخةٍ معدّلة من نفسه؟ نسخة من هوية لا تشبهه، لا تناديه، ولا تلتفت إليه إذا ضاع؟
هنا لا تعود المسألة إجراءً، بل جرحاً مفتوحاً يُعاد رسمه بلغةٍ رسميةٍ صامتةٍ. اقتلاعاً ناعماً، نعم… لكنّه أشدُّ قسوةً من الصخب، لأنّه يحدث دون صراخٍ، ويترك في الداخل فراغاً لا يُرى… ولا يُحتمل.
– كوميديا سوداء: من العدم إلى نسخة مزيفة…
كنتُ “مكتومَ القيد”، خارجَ السجلات، بلا اسمٍ يُعترف به، بلا رقمٍ يُثبت أنّني وُلدت أصلاً. ثم صرتُ “أجنبيّاً” على أرضي، كأنّني عابرٌ تأخّر في المغادرة.
والآن – بكلّ بساطةٍ – يُقال لي: تفضّل، هذه هويتك… ولكن انتبه، ليست هويتك التي تعرفها، بل تلك التي نراها مناسبةً لك.
أيّ استخفاف أكبر من هذا؟
أن تُحرم من الاسم، ثم يُعاد إليك، ثم يُطلب منك أن تشكر من أعادك بنسخةٍ لا تشبهك.
أنا لم أطرق أبواب سفارةٍ بعيدةً، ولم أقف في طابورٍ طويلٍ أطلب جنسية بلدٍ لا أعرفه. لم أهاجر كي أساوم على اسمي، ولم أعبر البحار لأفاوض على هويتي.
أنا هنا.
على هذه الأرض التي ولدتُ عليها، والتي حفرتُ فيها عمري، والتي لا تحتاج إلى إثباتٍ كي تعترف بي.
بأيّ عدالةٍ يُقال لمن عاش بلا هويةٍ: خذ هويتك… ولكن بشرطٍ أن تتخلّى عن نفسك؟
هذه ليست تسويةً، إنما إعادةُ ترتيبٍ للظلم بلغةٍ أنعم.
الكوردي كان ينتظر أن يتم التعديل في الهوية القديمة التي سلبت منه أصله، وصار عريباً رغماً عنه. ومازال لدينا الأمل في الدستور القادم.
– الوطن ليس ورقة تصحيح
كفى.
ليس من حقّ أيّ سلطةٍ – أيّاً كان اسمها، أو مرحلتها – أن تتعامل مع البشر كأخطاءٍ إملائيةٍ تحتاج إلى تصحيح.
إنّ الإصرار على تسميةٍ واحدةٍ، في بلدٍ يعرف الجميع أنّه متعدّدٌ القوميات، ليس جهلاً، بل إصرار على إنكار ما هو قائمٌ، ومتابعة ما رسمه حزب البعث.
الوطن لا يُبنى بفرض تعريفٍ واحد، مَن يُصرّ على ذلك لا يدافع عن وحدةٍ وطنيّةٍ، بل يفرض وحدةً قسريّةً هشّةً، سرعان ما تتشقّق عند أوّل اختبارٍ.
لنفترض – جدلاً – أنّ هذا الإصرار سينجح، وأنّ الجميع سيقبلون بهذه الصيغة المعلّبة.
ماذا بعد؟
هل تتبدّل الذاكرة لأنّها كُتبت بشكلٍ مختلفٍ؟ هل تنسى اللغة نفسها لأنّها لم تُذكر في السجلات؟ هل تختفي الجبال، والأغاني، والأسماء القديمة، لمجرّد أنّها لم تُدوَّن كما ينبغي؟
إنّ ما لا يُعترف به في الورق سيبقى مكتوباً في الوجدان.
وما يُقصى من السجلات سيعود في الواقع أكثر وضوحاً، وأكثر إلحاحاً.
الوطن لا يُدار كدفتر نفوسٍ، الوطن، إن لم يتّسع للجميع كما هم، سيتحوّل – بطءٍ قاسٍ – إلى مكانٍ لا يشبه أحداً.
– الواقعية المؤجَّلة:
هناك طريقان واضحان، لا ثالث لهما:
إمّا أن تُختصر الجنسية بكلمة “سوري”، بلا أيّ توصيفٍ قوميٍّ، فيصبح الانتماء قانونياً جامعاً، ويُترك للناس أن يعبّروا عن هوياتهم كما يشاؤون؛
وإمّا أن يُعترف صراحةً بالتنوّع، فتُكتب القوميات كما هي: عربي سوري، كردي سوري، أرمني سوري… دون التواء.
كلّ ما عدا ذلك ليس حلّاً، ولا تسويةً، بل تأجيل والتفاف مقصود لمشكلةٍ ستعود بشكلٍ أكثر حدّةً، لأنّ ما يُؤجَّل في الهويات لا يبرد، بل يتخمّر في الداخل حتى يفيض.
الواقعية تقتضي الاعتراف بأنّ ما فشل في الماضي لن ينجح إذا أُعيد بصياغة ألطف. تغيير الكلمات دون تغيير الفكرة، ولا يصنع فرقاً.
– وجع الصمت:
الألم الأكبر ليس في القرار نفسه، بل في هذا الفراغ الثقيل الذي يحيط به… في هذا الصمت الذي لم يعد يُشبه الحكمة، بل يقترب كثيراً من التواطؤ.
أن تصمت اليوم ليس حياداً…
التاريخ لا يقرأ الصمت بنوايا حسنةٍ، ولا يمنح المتأخرين فرصة تبريرٍ ثانيةً.
كلّ لحظة تأخير في قول ما يجب قوله، هي تنازلٌ صامتٌ، وكلّ غموضٍ في الموقف، هو خطوةٌ إضافيةٌ نحو محوٍ تدريجيٍّ لا يرحم.
ـ إلى متى سيبقى الصوت مؤجَّلاً؟
إلى متى تُدار القضايا المصيرية بلغةٍ رخوةٍ.
إنّ المسؤولية اليوم ليست خياراً، فإمّا أن تُقال الحقيقة باختبار حاسم، وبوضوحٍ يوازي حجم الجرح، أو يُترك المجال لغيرها كي تُفرض كأمرٍ واقع.
قوسُ قزحٍ يتذكّر ألوانه:
الوطنُ ليس كلمةً نلوذ بها حين نحتاج، الوطن حقيقة، هل نقبله كما هو، أم نُعيد رسمه على مقاس وهمٍ واحد؟
الوطنُ الذي يضيّق علينا أسماءنا، فسرعان ما يضيق بنا نحن.
أيُّ سماءٍ هذه التي تخاف من ألوانها؟
وأيُّ أرضٍ هذه التي ترتجف من أسمائها؟
دعوا القوسَ يحتفظ بكلّ ألوانه… لا لأنّ التنوّع جميلٌ فقط، الأسماء التي تُقصى من الأوراق، تُنقش في أعماق الذاكرة.