الاعلام العربي بين الحقيقة و التضليل  

ا. د. قاسم المندلاوي

يعاني جزءٌ كبير من الإعلام العربي من ابتعادٍ واضح عن الحقيقة والإنسانية ، حيث تحوّل في كثير من الأحيان إلى أداة لتلميع صورة بعض الحكّام، مهما ارتكبوا من فساد أو ظلم بحق شعوبهم . ومع الأسف ، يساهم عدد من المذيعين والإعلاميين في هذا النهج ، عبر تبرير سياسات الطغاة والتستر على أخطائهم ، بدلًا من نقل الواقع بموضوعية وصدق

وفي المقابل ، يتم تهميش صوت المظلومين ، خصوصًا من الطبقات الفقيرة والمهمشة ، التي تمثل الشريحة الأكبر من سكان العديد من دول العالم الثالث ، سواء العربية أو الإسلامية . كما يُغضّ الطرف عن معاناتهم في ظل الحروب والصراعات المستمرة ، وكأن معاناتهم لا تستحق أن تُروى

لقد أصبح هذا النوع من الإعلام ، في نظر كثيرين ، إعلامًا للظلمات بدل أن يكون إعلامًا للنور وكشف الحقائق ، فهو لا يكتفي بتزييف الواقع ، بل يتجاوز ذلك إلى توجيه الاتهامات الباطلة ، وتشويه صورة بعض الشعوب أو الجماعات ، ووصفها بالإرهاب أو العمالة دون أدلة منصفة

ومن الأمثلة على ذلك ، اتهام الإنسان الكردي المناضل بالإرهاب ، رغم دوره في محاربة تنظيمات متطرفة مثل “داعش”. في الوقت نفسه ، يتم تجاهل حقائق سياسية معروفة، كوجود علاقات رسمية أو مكاتب وسفارات لبعض الدول مع إسرائيل ، في حين تُستخدم هذه التهم كأداة للتشويه الإعلامي الانتقائي

ورغم هذه الحملات ، فإن الإعلام الكردي ، بمختلف أشكاله ، حاول أن يفتح المجال للرد على هذه الاتهامات ، وأن يتيح للكتاب والصحفيين التعبير عن وجهة نظرهم . ومع ذلك ، يتميز كثير من العاملين فيه بمحاولة الحفاظ على مستوى أخلاقي وإنساني ، بعيدًا عن الانزلاق إلى خطاب الكراهية أو التعميم

ومن زاوية أوسع ، لا يمكن فصل هذا الواقع الإعلامي عن السياق الاجتماعي والثقافي العام ، حيث ما زالت بعض المجتمعات تعاني من آثار التخلف ، والتعصب الأعمى ، والعادات القبلية التي تُغذّي الانقسام وتُعيق التقدم ، وقد أصبحت هذه الظواهر عبئًا ثقيلًا، ساهم في تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية ، وخلّف وراءه مآسي ودمارًا واسعًا

والمؤسف أن المؤسسات التربوية والثقافية ، من مدارس وجامعات ، إلى ندوات ومحاضرات ، بل وحتى بعض المنابر الدينية ووسائل الإعلام ، لم تتمكن حتى الآن من معالجة هذه الإشكاليات بشكل جذري . بل إن بعض هذه الجهات ساهم ، بشكل مباشر أو غير مباشر، في ترسيخ هذه السلوكيات بدلًا من تصحيحها

ورغم وضوح القيم التي تدعو إلى العدل والإنصاف واحترام الإنسان في النصوص الدينية ،  إلا أن التطبيق على أرض الواقع لا يزال بعيدًا عن هذه المبادئ ، حيث تستمر الانتهاكات والظلم في العديد من المناطق ، دون رادع حقيقي

وفي الختام
يبقى الأمل معقودًا على إعلامٍ حرّ ومسؤول ، يضع الحقيقة فوق كل اعتبار، وينحاز إلى الإنسان وكرامته ، بعيدًا عن المصالح الضيقة والانتماءات الضيقة ، ليكون أداةً للبناء لا للهدم ، وللنور لا للظلام .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

في 29 أيار 2026، ونحن نحيي الذكرى الحادية والعشرين لانطلاقة تيار مستقبل كردستان سوريا، نقف مرة أخرى عند لحظة التأسيس التي لم تكن عبارة عن حدث تنظيمي فقط ، بل تجسيداً حقيقياً لإرادة سياسية وُلدت من رحم المعاناة الكردية ومن الإيمان العميق بأن سوريا الجديدة لن تبنى إلا على قاعدة الديمقراطية والتعددية والاعتراف المتساوي بحقوق جميع مكوناتها. لقد أدرك مؤسسو…

ماهين شيخاني مقدمة: الإعلام رسالة… لا منصة للانتقام لطالما كان الإعلام الكوردي واحداً من أهم أدوات النضال، منذ صحيفة “كوردستان” عام 1898، وصولاً إلى آلاف المنصات الإلكترونية اليوم. لكن التحول الرقمي، رغم إيجابياته، فتح الباب أمام ظاهرة خطيرة: تسلل الانتهازيين والمتسلقين إلى المشهد الإعلامي، ليس لخدمة القضية، بل لتصفية حسابات شخصية وتشرعن مواقف لا أخلاقية ولا نظامية.   هذا المقال…

عبدالله كدو في ظل التغييرات المفاجئة والمتسارعة، وتنامي مشاعر الإحباط لدى شرائح واسعة من الكرد السوريين، لأسباب منها سوء أداء المنظومة الآبوجية خلال الفترة التي أعقبت إسقاط نظام الأسد العنصري، و بدء انهيار الإدارة الذاتية التابعة للمنظومة الآبوجية، ممثلة بقوات سوريا الديمقراطية “قسد” وحزب الاتحاد الديمقراطي PYD، الحزب الذي أسسه الآبوجيون بُعيد اعتقال زعيمهم عبدالله أوجلان، ثم إعلان فشل كونفرنس…

م. أحمد زيبار في سياق الظلم التاريخي الذي عانى منه الشعب الكردي، نشأت حركات سياسية حملت مشروع الخلاص والحرية، وسعت إلى تمكينه من العيش كسائر الأمم ونيل حقوقه القومية. غير أنّ مسيرة هذه الحركات، على الرغم من مشروعية أهدافها وعدالتها، أفضت إلى تحوّلات عميقة لم تكن جميعها في صالح هذا المشروع؛ إذ كرّس بعضها أنماطاً من التفكير المغلق، وأعاق تشكّل…