إشكالية النخبة السورية والكردية: بين فخ “الأدلجة” وضياع البوصلة الوطنية

جمال ولو
​على مدار سنوات الحرب والأزمات التي عصفت بسوريا، ظهرت فجوة عميقة بين النخبة المثقفة (السورية عامة والكردية خاصة) وبين عامة الشعب. وبدلاً من أن تلعب هذه النخبة دور “الموجه” أو “القائد” لدفة التغيير، بدت وكأنها تعيش في جزر معزولة، تخاطب نفسها بلغة لا يفهمها ولا يلمسها المواطن البسيط الذي يدفع ثمن الصراع من حياته وقوته.
​أولاً: إرث “البعث” وتسلله إلى وعي النخبة
​من المفارقات الصادمة أن الكثير من المثقفين الذين ناهضوا نظام حزب البعث سقطوا في فخ نهجه دون وعي. لقد تشربت بعض النخب الفكر الإقصائي والشمولي، وانعكس ذلك في أسلوب كتابتهم وتعاملهم مع الشأن العام. فبدلاً من صياغة مشروع وطني جامع يهدف إلى نيل الحرية والخلاص من الاستبداد، استمروا في ممارسة “النخبوية” والتعالي الثقافي، مما جعل خطابهم قاصراً عن ملامسة تطلعات الجماهير أو التأثير الفعلي في مسار التحرر.
​ثانياً: غياب الهدف الاستراتيجي وتشتت الجبهة الوطنية
​مع انطلاق الثورة السورية، فشلت النخبة في اجتراح “جبهة وطنية موحدة” تضم كافة الأطياف والمكونات السورية. هذا العجز عن توحيد الصفوف حول هدف استراتيجي واضح لإسقاط النظام وبناء دولة المواطنة، أدى إلى تشرذم القوى السياسية. وبدلاً من الاعتماد على الحاضنة الشعبية والقدرات الذاتية، اتجهت الكثير من هذه النخب نحو “الارتهان للخارج” والبحث عن حلول في عواصم القرار الدولي، مما أفقد الحراك استقلاليته.
​ثالثاً: صعود الإسلام السياسي وانحراف مسار الثورة
​نتيجة لضعف التنظيم النخبوي وغياب القيادة الميدانية الموحدة، وجد “الإسلام السياسي” بمختلف تفرعاته (السلفية والجهادية) الطريق ممهداً لتصدر المشهد. هؤلاء كانوا الأكثر تنظيماً وجاهزية لركوب موجة الثورة وتغيير مسارها من مطالب بالحرية والكرامة إلى صراعات أيديولوجية ومسلحة. هذا الانحراف أدى إلى أثمان باهظة؛ من دمار هائل للبنية التحتية، وتمزيق للنسيج المجتمعي، وصولاً إلى تحول البلاد لساحة صراعات دولية.
​رابعاً: الاستثمار الدولي في الفوضى
​لقد وصل الأمر إلى مشهد سريالي، حيث باتت القوى الدولية تتحكم في خيوط اللعبة، مسلّمة مصير البلاد لجهات مصنفة كأهداف مطلوبة دولياً، ضمن صفقات سياسية تهدف لتحقيق مصالح الدول الكبرى على حساب دماء السوريين. إن غياب المشروع النخبوي الحقيقي هو الذي سمح بتحويل التضحيات الجسيمة للشعب السوري إلى أوراق تفاوضية بيد القوى الخارجية ووكالاتها المحلية.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس من المرحلة الانتقالية إلى حكمٍ بلا نهاية. قيل لفرعون: من فرعنك؟ قال: لم أجد من يردّني. وفي سوريا اليوم، تتكرر الحكمة بوجه أكثر خطورة؛ فحين ترفع بعض الشرائح السنية المتطرفة شعارات من نوع: «سوريا لنا إلى الأبد» و«نحن بنو أمية»، فهي لا تعلن شراكة وطنية، بل تبشر بفرعونية جديدة تستبدل طاغيةً بآخر، ومظلوميةً بهيمنة. فالشعب الكوردي ليس…

شكّلت المنظمة الآثورية الديمقراطية، منذ انطلاقتها، أول مدرسة قومية سياسية بين أبناء شعبنا السرياني الآشوري، إذ مثّلت أفكارها ومبادئها تحولاً نوعياً وثورة فكرية على البنى الطائفية والعشائرية التي كانت سائدة آنذاك. وقد حملت مشروعاً سياسياً وطنياً وقومياً يستند إلى قيم الحرية والحداثة، الأمر الذي جعلها تواجه مقاومة من مختلف القوى الاجتماعية والدينية التي رأت في مشروعها تهديداً لمصالحها ونفوذها. وكان…

اكرم حسين يظلّ الطرح الهام للدكتور عبدالحكيم بشار في مقاله “نحو مراجعة جذرية للوضع الكردي في سوريا”، بحاجة إلى آليات تنفيذية واضحة، وإلا تحوّل إلى نخبوية فكرية لا تتجاوز صفحات التواصل الاجتماعي . فالسؤال الأكثر إلحاحاً اليوم ليس “هل نحتاج إلى مراجعة؟” لأن ذلك قد بات بديهياً، بل “كيف ؟ ومن سيقوم بهذه المراجعة؟”. إن تجارب المراجعات في الحركة الكردية،…

د. عبدالحكيم بشار تمر الحركة السياسية الكردية في سوريا اليوم بواحدة من أكثر مراحلها حساسية وتعقيدًا. ولم يعد من الممكن تجاهل حقيقة أن هذا الواقع هو نتاج تراكمات طويلة من الأخطاء والإخفاقات، الأمر الذي يستدعي وقفة مراجعة صريحة وشجاعة، بعيدًا عن المجاملات أو محاولات تبرير الفشل. لا يتعلق الأمر بالتشكيك في تاريخ الحركة أو إنكار ما قدمته من تضحيات وإنجازات،…