أنا وحزب العمال الكردستاني

جان دوست
البدايات:
تعرفت وأنا في مقتبل العمر على رفاق من حزب العمال الكردستاني بعد انقلاب أيلول الفاشي في أنقرة تركيا. فقد وَفَدَ إلى بلدتنا الحدودية كوباني (عين العرب) شباب جميلون طيبون هادئون لا يتكلمون إلا نادراً وسكنوا في منزل أحد الجيران. كان ذلك بحدود العام 1981 أو 1982. كنت فتى مراهقاً أقرض الشعر باللغتين الكردية والعربية وأقرأ الكتب بنهم شديد. وكنت أرى هؤلاء الشباب منكبين على الكتب كلما زرتهم. كانوا لا يخرجون إلا نادراً وتعودنا أن نذهب إليهم لنأخذ لهم الطعام وما يحتاجون. من خلال الاحتكاك القليل معهم عرفنا أنهم من أعضاء حزب العمال الكردستاني. كنا نسميهم آبوجيين. نسبة إلى آبو أي العم وهو لقب عبد الله أوجلان (لاحقاً عرفت أن كرد تركيا يطلقون على كل شخص يسمى عبد الله آبو). لم نكن نعلم أن مؤسس وزعيم الحزب عبد الله أوجلان أيضاً في كوباني. نعم دخل عبر الحدود إلى كوباني وبقي لأكثر من شهر في قرية اسمها عَلْبَلُور عند الصيدلي عبدي نعسان (قتل في صيدليته فيما بعد وهناك اتهامات غير مؤكدة بأن لحزب العمال ضلع في جريمة قتله).
كوباني: الجبهة المتقدمة للانطلاق
كانت كوباني أول مدينة تستقبل الآبوجيين وتكرمهم وتقدم لهم الملجأ والمبيت والطعام وكل ما يحتاجونه. وكنا ضمن الذين استقبلوهم وتعرفوا على أفكارهم التي تلخصت فيما يلي:
كردستان بلاد مجزأة محتلة ولا بد من النضال المسلح لتحريرها وتوحيدها.
كان هذا شعاراً جباراً بعد النكسة التي منيت بها الثورة الكردية التي قادها الراحل ملا مصطفى البارزاني عام 1975 بعد اتفاقية آذار المشؤومة بين شاه إيران وصدام العراق. وفي الحقيقة فقد تمتع الحزب بعبقرية استثنائية في الترويج للأوهام وبيعها للجماهير. وهكذا أعاد هؤلاء الثقة بالنفس ووفروا مناخاً ملائماً لتجاوز ارتدادات النكسة النفسية. ويوماً بعد يوم وجدت نفسي مع شباب الحارة اليافعين ننجذب إليهم وغلى شعاراتهم.
جبل المغناطيس:
كانت تلك الشعارات شبيهة بجبل المغناطيس في قصة السندباد من ألف ليلة وليلة. في تلك القصة تمر السفن بمحاذاة ذلك الجبل فتنخلع مساميرها وتنجذب إلى الجبل وتغرق السفن.
كانت عقولنا سفناً انخلعت مساميرها فبتنا مرتبطين بالحزب وشعاراته. وبالطبع لقينا معارضة من الأهل ومن الشباب الأكثر سناً من ذوي الخبرة. لكن تيارنا كان الأقوى وصوتنا كان الأكثر ضجيجاً لأنه صوت العاطفة والشعارات التي تعد بقرب تحرير كردستان. في سنوات الجامعة، وبعد أن أطلق حزب العمال الكردستاني عملية 15 آب الشهيرة عام 1984 ازددنا تعلقاً بالحزب وشعاراته. لقد وعد بالثورة ونفذ وعده. وصار الشباب يلتحقون بصفوف الثورة بأعداد كبيرة. وفر النظام السوري بيئة ملائمة لتمدد الحزب والاستفادة منه لضرب الحركة الكردية السورية التي كانت شعاراتها واقعية وكان نضالها سلمياً يتكئ على مطالبات محقة بالحقوق الثقافية والاجتماعية والسياسية. وكنا، من خلال تبني أفكار الحزب، نعتبر تلك الأحزاب كرتونية انتهازية إصلاحية ونحاربها حرباً لا هوادة فيها. استفاد نظام حافظ الأسد أيضاً من الحزب لكسب نقاط على جارته اللدود تركيا خاصة في مجال أزمة مياه الفرات.
الإرهاب الثوري والتجنيد الإجباري:
ثم بداً العنف الآبوجي حين صلب عودهم. تمت تصفية بعض السياسيين السوريين. وكثرت حالات الضرب والتهديد وقطع الأنوف والآذان (هذه الحالات لم توثق). بدأ حزب العمال إرهابه الثوري ضد الحركة السياسية الكردية في سوريا (بإيعاز من النظام الساقط) فضعفت وزال تأثيرها تقريباً. بدأ الحزب بعد ذلك مرحلة التجنيد الإجباري فجند الألوف من شباب الكرد في سوريا، وترك المئات من طلاب الطب والهندسة (منهم مظلوم عبدي وزوهات كوباني ومئات غيرهم) الدراسة الجامعية للالتحاق بالثورة. من هؤلاء ابن عمي حالم وصديقي وأخي بالرضاعة محمود كوسي (استشهدا فيما بعد على يد أعضاء حزب العمال في الجبال كغيرهم من المئات الذين صفاهم حزب العمال بتهم سخيفة منها التجسس لصالح مخابرات حافظ الأسد).
كنت مؤمناً بشعارات الحزب، فلا غاية أسمى من الحرية، واستقلال كردستان وتشكيل دولة كردية حلم يراود كل كردي أينما كان. وفي الجامعة نشطت كثيراً وكان المسؤول عنا لبعض الفترات مراد قرايلان (الرفيق جمال) ثم التحقت بالجيش السوري وصرت عسكرياً في لبنان. وذات مرة، عزمت على الهروب من صفوف الجيش السوري والالتحاق بقوات الأنصار الذين كانوا يتلقون تدريباتهم في منطقة البقاع اللبنانية، فأخذت من قطعتي العسكرية بندقيتي الكلاشنيكوف وقنابل يدوية وقذائف آر بي جي وطلقات كثيرة إلى مقر الحزب في بر إلياس.
استقبلني كاني يلماز (أحد كبار المسؤولين تمت تصفيته فيما بعد في السليمانية) وعرضت عليه فكرة التحاقي فرفض وقال: أنت من القوات السورية ونحن لا نريد تخريب علاقاتنا بسوريا. لا نستقبل الفارين من الجيش السوري. أنت شاعر ويكفي أن تكتب لنا.
إلى الآن أدعو لذلك الرجل وأترحم عليه فلولا رفضُه لالتحقتُ بقوات الحزب ويعلم الله وحده ماذا كان سيحدث لي فيما بعد.
أكاذيب، أكاذيب:
عندما حدثت انتفاضة 1991 في كردستان العراق فوجئنا أن الحزب يدعي قيادة الانتفاضة. لم يوجد وقتذاك ما هو موجود حالياً من مصادر الأخبار فاقتنع الناس بتلك الكذبة لكن تبين فيما بعد أنها كذبة أكبر من أن تصدق وأن علاقات الحزب بنظام صدام حسين كانت أكبر من أن تخفيها الأكاذيب. (أظهرت الوثائق التي استولت عليها قوات البيشمركة مدى عمق العلاقة بين صدام وحزب العمال) وأتذكر أن الحزب في أحد بياناته أثناء حرب الخليج مدح النظام العراقي. للأسف لم نكن نؤرشف ما يصدر من بيانات لخوفنا من وقوعها في يد السلطة السورية التي كانت تعذب وتعتقل كل متعاطف مع الحزب في مشهد سريالي عجيب. المهم انسحب شباب الحارة جماعياً من جبهة التأييد إلى جبهة الرفض. وحاول عبد الله أوجلان نفسه عبر إرسال مندوبيه إلى حارتنا أن يعيد استمالتنا فلم يفلح. لقد قلنا: إلى هنا وكفى خداعاً.
الصحوة:
منذ ذلك الوقت وأنا أعارض هذا الحزب. أعارض تصرفاته المتعلقة بالعنف وأرفع صوتي عالياً ضد جرائم القتل التي يرتكبها بحق أهلي وجيراني. أما سياساته فلا علاقة لي بها. في 2002 حاولت مهادنة الحزب فعملت في قناته التلفزيونية في بروكسل لبضعة أشهر وسرعان ما انتقدتُ سياسة الأخبار التي تركز على عبد الله أوجلان وكتبت مقالاً بخصوص ذلك فُصِلت بسببه.
بعد نشوب الثورة في سوريا عام 2011 عاد حزب العمال إلى المشهد وعبر توافقه مع نظام بشار استلم إدارة المنطقة الكردية ليحمي ظهر النظام، وبدأ مرحلة جديدة من الإرهاب والعنف فقتل شباب الكرد المتظاهرين في الشوارع وارتكب عدة مجازر وخطف القاصرين لتجنيدهم وقضى على الحركة الكردية السياسية السلمية نهائياً فنفى الكوادر والأمناء العامين للأحزاب وفرض لونه على الحياة العامة ودخل حروباً زج بها الكرد السوريين. كان حزب العمال محظوظاً بسبب بروز داعش كقوة ظلامية إرهابية أوكل إلى حزب العمال في سوريا مهمة محاربته فاكتسب بذلك سمعة دولية طيبة استثمرها لمزيد من القمع والترهيب.
معارضات فردية:
برزت أصوات كثيرة تعرف الحقيقة وتعارض نهج العنف. لكنها كانت تجابه بغوغائية تحجب الحقائق. لا مجال هنا للتوسع في الموضوع أكثر لكنني أود أن أوجز مرة أخرى سبب انتقادي المستمر للحزب: أنا كاتب، وأتخذ موقفاً أخلاقياً من موضوع القتل الذي مارسه حزب العمال بحق الكرد السوريين. وأحصر الموضوع بسوريا دون أن أتوسع جغرافياً. هذا الأمر للأسف لا يريد أحد أن يفهمه ولن يفهموه فالشعارات تغطي الدم المسفوح، والنبرة العالية للتخوين تغطي الحقيقة العارية بألف حجاب وحجاب. في النهاية أهمس: أنا حر، لست مرتبطاً بأحد. وموقفي أخلاقي وثابت. لا أقبل بالقتل ولا أرضى بتبريرات الآخرين.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

استهداف شعب كردستان العراق ورموزهم التاريخية، وقياداتهم، هو تعبير واضح عن مواقف الأنظمة الشوفينية الدكتاتورية التي تقتسم الكرد ووطنهم . هو استهداف للتجربة النموذجية الأولى بالتاريخ في حل القضية الكردية . هو من جملة المحاولات المستمرة من جانب المراكز الشوفينية ووكلائها من الميليشيات الإرهابية، لقطع الطريق على أية حلول مستقبلية للقضية الكردية بالمنطقة من جهة، والمشاركة الكردية في سياق…

بيان إدانة وتضامن يتابع المكتب التنفيذي في الاتحاد العام للكتّاب والصحفيين الكرد في سوريا بقلق بالغ وإحساس عميق بخطورة التطورات الأخيرة التي شهدها إقليم كردستان، نتيجة الهجمات التي نفذتها ميليشيات إرهابية في العراق، حيث تم استهداف منزل رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني في دهوك، بعد سلسلة من القصف بالطائرات المسيّرة التي طالت مواقع مدنية وبنى تحتية حيوية، وأدت إلى سقوط ضحايا،…

يوسف بويحيى الزعيم مسعود بارزاني لا أعتبره رجل دولة لأن هذا الوصف قليل في حقه، بل هو رجل التاريخ الشامخ القائم، فالتاريخ كالوطن باق بينما الدول تتغير. فما أكثر رجال الدولة و ما أقل رجال التاريخ. يعتقد مراهقي السياسة و حديثي النعمة أن قصف كوردستان سيصنع لهم تاريخا و مكانة، بينما لا يدركون أن كل من قصف كوردستان إنتهى به…

وجه رئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني مسعود بارزاني رسالة رسمية إلى قادة الإطار التنسيقي والمجلس السياسي الوطني، حث فيها جميع الأطراف على تعزيز لغة التفاهم والتعاون المشترك، والحفاظ على السلم المجتمعي الداخلي، في ظل التحديات الكبيرة التي يواجهها العراق نتيجة الحرب الدائرة في المنطقة وآثارها على استقرار البلد وشعوب المنطقة. وأشار بارزاني في رسالته إلى أهمية تكثيف الحوارات الثنائية…