صلاح عمر
في لحظات التحوّل التاريخي، لا تُقاس القرارات بجرأتها الشكلية، بل بقدرتها على تصحيح المسار وإعادة توجيه البوصلة نحو جوهر القضية. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة قرار استبعاد حزب الحياة الحرة “بيجاك” من مؤتمر لندن للمعارضة الإيرانية، كخطوة تتجاوز بعدها التنظيمي، لتلامس عمق الإشكالية الكردية في روجهلات: أي مشروع يجب أن يقود؟ وأي خطابٍ يجب أن يُمثّل شعبًا دفع أثمانًا باهظة من أجل حريته؟
إن استبعاد “بيجاك”، بوصفه امتدادًا لمنظومة حزب العمال الكردستاني، لم يأتِ من فراغ، بل يعكس إدراكًا متزايدًا داخل الأوساط الكردية والإيرانية المعارضة، بأن ازدواجية المشروع بين القومي واللا-قومي، بين الواقعي والطوباوي، لم تعد قابلة للاستمرار. فالقضية الكردية، في جوهرها، ليست مسألة نظرية قابلة للتجريب، بل قضية شعب يسعى إلى تثبيت حقوقه في بيئة إقليمية ودولية معقّدة، لا تعترف إلا بمن يملك مشروعًا واضحًا وأدوات تنفيذية.
لقد قدّم خطاب “الأمة الديمقراطية” و“أخوة الشعوب” نفسه كبديلٍ يتجاوز القوميات، ويطرح نموذجًا إنسانيًا عابرًا للهويات. لكن التجربة العملية، سواء في روجهلات أو في روجآفاي كردستان، أظهرت أن هذا الطرح، رغم جاذبيته النظرية، يعاني من إشكالية جوهرية: أنه يطلب من شعبٍ لم يحصل بعد على حقوقه الأساسية أن يتجاوزها، وأن يذيب قضيته في إطارٍ أوسع، دون ضمانات حقيقية.
فالتجارب السابقة، لا سيما في روجآفاي كردستان، كشفت بوضوح أن الفجوة بين الطرح الأيديولوجي والواقع السياسي ليست مجرد تفصيل، بل أزمة بنيوية أدت إلى اتساع المسافة بين الشعارات والمكتسبات، وبين الحلم وإمكانية ترجمته إلى واقع. ومن هنا، فإن أي مشروع لا يضع البعد القومي الكردي في مركزه، ولا يسعى إلى تحقيق مكاسب ملموسة تنطلق من هذا الأساس، يبقى مشروعًا معلقًا في الهواء، مهما حمل من نوايا أو عناوين إنسانية جذابة.
إن هذا الطرح، في جوهره، يقفز فوق المرحلة التاريخية، ويتعامل مع الواقع كما ينبغي أن يكون، لا كما هو. فالعالم الذي تُدار فيه الصراعات اليوم، ليس عالمًا مثاليًا، بل ساحة مصالح متشابكة، لا مكان فيها للمشاريع التي لا تنسجم مع موازين القوى. ومن هنا، فإن أي مشروع لا يُحسن قراءة هذه المعادلة، سيبقى خارج دائرة التأثير، مهما كانت عدالة قضيته.
وفي هذا السياق، يكتسب قرار مجلس تنسيق مؤتمر حرية إيران أهمية إضافية، لأنه لا يقتصر على استبعاد طرف، بل يوجّه رسالة واضحة: أن المرحلة تتطلب وضوحًا في المشروع، وانسجامًا بين الخطاب والممارسة. كما أنه يقطع الطريق، إلى حدٍّ ما، أمام محاولات التداخل الإقليمي، حيث لطالما شكّلت بعض هذه التنظيمات ساحةً مفتوحة لتقاطعات المصالح بين قوى إقليمية، من بينها أجهزة استخبارات تسعى إلى توظيف الورقة الكردية بما يخدم أجنداتها.
إن الإشارة إلى أن قوى إقليمية، مثل تركيا وإيران، لن تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا القرار، ليست مبالغة، بل قراءة واقعية لطبيعة الصراع. فهذه الدول، التي ترى في أي حراك كردي تهديدًا استراتيجيًا، تسعى دائمًا إلى احتوائه أو تفتيته، سواء عبر الضغط المباشر، أو عبر توظيف التناقضات الداخلية. ومن هنا، فإن أي خطوة تُسهم في تقليص هذه الثغرات، تُعتبر مكسبًا سياسيًا، حتى وإن كانت مؤلمة في بعض جوانبها.
لكن الأهم من القرار نفسه، هو ما يجب أن يتبعه. فاستبعاد “بيجاك” لا يكفي بحد ذاته، ما لم يُستثمر في بناء مشروع قومي كردي واضح، قادر على تمثيل تطلعات الشعب في روجهلات، والتفاعل مع المتغيرات الإقليمية والدولية بواقعية. وهذا يتطلب، قبل كل شيء، إعادة ترتيب الأولويات: تثبيت الهوية القومية، صياغة خطاب سياسي واضح، وبناء تحالفات مدروسة لا تقوم على العاطفة، بل على المصالح المتبادلة.
إن التجربة الكردية، في مختلف أجزائها، قدّمت دروسًا قاسية حول مخاطر الانقسام، وتبعات الرهان على مشاريع غير مكتملة. وفي كل مرة، كان الثمن يُدفع من رصيد الشعب، لا من حسابات النخب. لذلك، فإن اللحظة الراهنة تفرض مسؤولية مضاعفة على القوى السياسية: أن تتجاوز الحسابات الضيقة، وأن تضع مصلحة القضية فوق كل اعتبار.
وفي هذا الإطار، لا يمكن تجاهل أن بعض الخطابات التي تُرفع اليوم، تحت عناوين إنسانية عامة، قد تُستخدم، عن قصد أو دون قصد، لتبرير غياب المشروع القومي، أو لتأجيله. وهذا ما يجب التنبه له، لأن تأجيل الحقوق لا يعني إلا إطالة أمد المعاناة.
إن الكرد، بعد قرنٍ من النضال، لا يحتاجون إلى مزيد من الشعارات، بل إلى مشروعٍ واضح، يُترجم تضحياتهم إلى نتائج. مشروعٌ يعرف كيف يتعامل مع العالم كما هو، دون أن يفقد بوصلته، ويُدرك أن الطريق إلى الحرية لا يمر عبر تذويب الهوية، بل عبر تثبيتها.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم:
هل نتعلم من تجاربنا، أم نعيد إنتاجها بأشكالٍ مختلفة؟
لأن التاريخ، وإن كان لا يُعيد نفسه حرفيًا، إلا أنه لا يرحم من لا يتعلم دروسه.