الانتحار الكوردي البطيء غربي كوردستان على حافة الإلغاء (3/3)

د. محمود عباس

 

وتحت خيمة الديمقراطية نفسها، قد تُرسَّخ قضية الغمر والتغيير الديمغرافي، لا بوصفها جريمة تاريخية ارتُكبت بحق غربي كوردستان، بل بوصفها واقعًا قائمًا يُعاد شرعنته بقوة القانون والتصويت. وقد بدأت ملامح هذه الجدلية تظهر بوضوح من خلال تنصيب برلماني من الغمر في محافظة الحسكة، في رمزية سياسية لا يمكن قراءتها بمعزل عن مشروع تثبيت الأمر الواقع، وإعادة تحويل الاستيطان البعثي القديم إلى حضور برلماني جديد يتحدث باسم الجغرافيا التي جرى استهدافها أصلًا.

ومن هذه البوابة، قد يُعاد تقسيم غربي كوردستان إلى مناطق ممزقة، وربما إلى بلديات ونواحٍ وحدود إدارية تُفرغ الجغرافيا الكوردية من وحدتها ومعناها القومي، ثم تُشرعن هذه العملية عبر التصويت بالأغلبية، وكأن الديمقراطية العددية تستطيع أن تمحو حقًا تاريخيًا أو تبيّض جريمة ديمغرافية. فماذا يستطيع أربعة نواب كورد، أو حتى ثمانية أو عشرون، أن يفعلوا في برلمان لا يعترف بجغرافية كوردية محددة ضمن نظام فيدرالي واضح؟

إن التخلي عن هذا المطلب، والتماهي مع منطق المواطنة المجردة كما كانت تطرحه المعارضة العروبية والائتلاف، لم يكن نضجًا سياسيًا، بل انسحابًا من جوهر القضية إلى هامشها. فالمواطنة، حين تُفصل عن الاعتراف القومي والجغرافي والدستوري، تتحول إلى قناع ناعم للإلغاء، وتصبح المساواة الشكلية أداة لإدامة الظلم، لا مدخلًا لإنهائه.

لقد تمكنت الحكومة السورية الانتقالية، بمنظماتها التكفيرية ومخلفات الفكر القومي العروبي، من تشتيت الحركة الكوردية عمليًا وعلى أسس أكثر صلابة مما كانت تحلم به، لكنها لم تبدأ من الفراغ، ولم تصنع هذا الانقسام وحدها. لقد وجدت الطريق ممهدًا أمامها بما راكمه طرفا الاستقطاب الكوردي من أخطاء قاتلة، وبما تركاه من شروخ عميقة في الجسد السياسي الكوردي. فحزب الاتحاد الديمقراطي مارس منطق السلطة الشمولية، واحتكر القرار، وضيق مساحة الشراكة، ثم وجد نفسه، رغم كل اعتراضاته المعلنة ورفضه الخطابي، يتماهى عمليًا مع منهجية الدمج التي تُفرض عليه وعلى غربي كوردستان. وما يجري في الواقع ليس اندماجًا سياسيًا قائمًا على الاعتراف والضمانات والندية، بل دمجٌ قسري يبدأ بالتفكيك الإداري والعسكري، ويمرّ بتقليص الحضور الكوردي، وينتهي بالتذويب داخل بنية مركزية لا ترى في الكورد شعبًا صاحب قضية، بل مكوّنًا قابلًا للاحتواء والإعادة إلى الهامش.

وفي المقابل، لم يكن المجلس الوطني الكوردي أقل مسؤولية عن هذا الانحدار؛ فقد مارس طوال سنوات منطق المعارضة التابعة للقوى المحتلة لكوردستان، وتحرك غالبًا ضمن هوامش رسمها الآخرون لا ضمن رؤية قومية مستقلة. واليوم، سواء تحت ضغط قوى خارجية، أو نكاية بقوى الإدارة الذاتية، أو بحثًا عن موطئ قدم رمزي في مشهد سياسي مختل، يقبل بأربعة مقاعد هزيلة تحت قبة برلمان تهيمن عليه منظمة تكفيرية عروبية، وكأن القضية الكوردية، بكل تاريخها وتضحياتها وجغرافيتها ودمائها، يمكن اختزالها إلى فتات تمثيلي لا يحمي لغة، ولا يثبت حقًا، ولا يمنع تشريع الإلغاء باسم الأغلبية.

هكذا فضّل الطرفان التحزب الأعمى على السياسة، ومصلحة التنظيم على مصلحة الأمة الكوردية، والمناكفة الداخلية على بناء موقف قومي جامع. فكانت النتيجة أن القضية انكمشت، والجغرافيا تراجعت، واللغة صارت مهددة، والتمثيل تحول إلى فتات، والحراك الكوردي صار يدور حول ذاته في حلقة استنزاف مميتة، بينما الآخرون يرسمون مستقبله، ويعيدون ترتيب موقعه، ويقررون نيابة عنه حجم حضوره وحدود حقوقه ومصير أرضه.

لم تنفع الأنفاق التي أُنفقت عليها كميات هائلة من الجهد والموارد، وكثيرًا ما صرخنا نحن في الحراك الثقافي الكوردي بأن الأفضل كان بناء تلك الأبنية فوق الأرض لا تحتها. كان يمكن لتلك الكميات من الإسمنت والموارد أن تتحول إلى مدارس وطرقات وجسور ومشاريع بنية تحتية تضرب مثالًا حيًا على قدرة الإدارة على البناء لا على الاختباء. لقد دعمنا مسيرة التدريس باللغة الكوردية رغم الهجوم الممنهج عليها، لأنها كانت من الإنجازات الحقيقية التي يصعب إنكارها، وكان نجاحها كافيًا لإسقاط كثير من الحملات المعادية لها. لكن النجاحات الجزئية لا تنقذ مشروعًا سياسيًا يفتقد الرؤية القومية الواضحة.

وإذا لم تكن مهزلة العملية البرلمانية، والحصة الكوردية، وإقصاء المكونات السورية، والثلث الرئاسي، بداية سحب سوريا إلى مستنقع كارثي جديد، وإذا لم تكن مجرد مسرحية مؤقتة تديرها الدول الإقليمية والكبرى لتحقيق مصالح أمريكا وإسرائيل ضمن صفقة مع تركيا، فإن ما سيأتي أخطر. ستُعاد رسم الخريطة السياسية والإدارية من جديد، وأول من سيدفع الثمن هو الحركة الكوردية، ثم الشعب الكوردي في غربي كوردستان. لكن القضية، رغم كل هذا، لن تموت. ستظل كامنة في الوعي والتاريخ والجغرافيا، وستظهر لاحقًا حركة جديدة تواكب العصر، وتقرأ السياسة بعقل لا بعصبية، وتكتب التاريخ الأسود الذي مرّ به شعبنا خلال العقدين الماضيين، لا بوصفه قدرًا، بل بوصفه نتيجة مباشرة للخلافات الساذجة، والتحزب الضحل، والهيمنة المتبادلة، والاستقطاب الذي دمّر الحراك الكوردي من داخله قبل أن يتمكن الآخرون من الإجهاز عليه من الخارج.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

24/5/2026م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أ. د. سربست نبي القابلية لإقناع الذات وخداعها إزاء الواقع، هو استعداد وسلوك نفسي مشترك ينشأ لدى الجماعات والأفراد، الذين بلغوا درجة من العجز المطلق إزاء فهم واقعهم وتفسيره بعد أن فُرض عليهم قسراً، واستسلموا فعلياً له. ورغم ذلك يلجؤون إلى ميكانيزمات لخداع الذات والتحايل عليها عبر إسباغ معنى أو دلالة معاكسة لهذا الواقع كما هو بالفعل. فالأمم تخدع نفسها…

ماجد ع محمد إذا ما صدق موقع “أكسيوس” بأن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب اختارت رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني ليكون قناة خلفية للتواصل مباشرة مع قيادة “الحرس الثوري” الإيراني، بعدما ساورت واشنطن شكوك بشأن صلاحيات المفاوضين الإيرانيين لإبرام اتفاق ينهي الحرب. فهذا يعني بأن بارزاني حلقة وصل مهمة وفاعل خير وليس محضر شر، وفي العرف الإنساني يُكافأ فاعل…

عبد الجابر حبيب لا أعتقد أن المشكلة في أن ننتقد صلاح الدين أو نعيد قراءة دوره في التاريخ، فهذا حق مشروع، لكن المشكلة تبدأ عندما ننظر إلى التاريخ بعين اليوم، ثم نحاكم شخصيات الماضي وفق مفاهيم سياسية وقومية لم تكن موجودة في زمنها. من يقول إن صلاح الدين قصر بحق الكورد، وخدم غير هم، ولم يسعَ إلى تأسيس دولة كوردية،…

صلاح بدرالدين قبل مائة عام بدأت معالم هذه المدينة بالظهور مع تواجد حامية الانتداب الفرنسي على التلة المقابلة لمدينة نصيبين – التركية – ووضع المهندسون الفرنسييون الخرائط ، واللبنة الأولى لبناء مدينة على نهر – جقجق – المتدفق من ينابيع وادي – بونصرا – قبل تغيير مجراه – في ولاية ماردين بكردستان تركيا . هناك في المنطقة الكردية السورية وأطرافها…