القضية الكوردية في سوريا… من مشروع وطني إلى صراع نفوذ

حوران حم
منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، دخلت القضية الكوردية في سوريا واحدة من أكثر مراحلها حساسية وتعقيداً. كانت آمال الناس يومها كبيرة، وكان الشارع الكوردي يعتقد أن لحظة تاريخية قد اقتربت، لحظة يستطيع فيها الكورد انتزاع حقوقهم القومية المشروعة ضمن سوريا جديدة، ديمقراطية، تعددية، لا مركزية، تضمن الشراكة الحقيقية بين جميع المكونات. لكن ما جرى لاحقاً أخذ مساراً مختلفاً، مساراً امتلأ بالأخطاء، والتفرد بالقرار، وإقصاء بقية القوى، واحتكار التمثيل السياسي باسم الشارع الكوردي.
لقد خرج الشباب الكوردي في بداية الثورة السورية مطالباً بالحرية والكرامة والديمقراطية، وكان الحلم أن تتحول التضحيات إلى مشروع وطني جامع يحقق الفيدرالية أو اللامركزية السياسية والإدارية، ويؤسس لدولة برلمانية تعددية تعترف بحقوق الجميع. لكن مع مرور السنوات، تحولت القضية من مشروع شعب إلى مشروع سلطة ونفوذ ومصالح ضيقة.
خلال هذه السنوات، تم دفع آلاف الشباب الكورد باتجاه معارك خارج مناطقهم التاريخية، نحو الرقة ودير الزور ومنبج والطبقة ودير حافر وغيرها من المناطق العربية، تحت شعارات متعددة، بينما كانت النتيجة خلق حالة من الاحتقان والصراع الكوردي العربي، بدل بناء شراكة حقيقية بين المكونات. لقد زُجّ بالشباب الكوردي في حروب طويلة دفعت أثمانها العائلات البسيطة، فيما بقي القرار محتجزاً بيد قلة تحتكر السياسة والعسكر والإدارة.
وكان من الطبيعي أن تولّد هذه السياسات ردود فعل سلبية داخل البيئة العربية والعشائرية في تلك المناطق، لأن كثيراً من أبناء العشائر شعروا أن هناك مشروعاً يُفرض عليهم دون توافق حقيقي، ما أدى لاحقاً إلى حالة من التوتر والطعن السياسي والعسكري من بعض العشائر العربية، بعدما فشلت الإدارة القائمة في بناء الثقة والشراكة الوطنية المتوازنة.
والنتيجة المؤلمة أن هذه السياسة الجوفاء لم تحافظ لا على المناطق العربية ولا حتى على المناطق الكوردية نفسها. فخسر الكورد عفرين، وقبلها سري كانيه/رأس العين، وكري سبي/تل أبيض، وتعرضت مناطق واسعة للتغيير والدمار والنزوح، بينما بقيت القيادات نفسها تتحدث بلغة الانتصارات الوهمية، دون أي مراجعة حقيقية للأخطاء التي أوصلت القضية إلى هذا الواقع المرير.
والسؤال الذي يطرحه الشارع الكوردي اليوم بمرارة: متى كانت هذه السياسات بإرادة الشعب الكوردي؟ ومتى جرى استفتاء الناس أو العودة إليهم في القرارات المصيرية؟ هل وافق الشعب على تحويل أولوياته القومية إلى ملفات عسكرية مفتوحة؟ هل وافق على تغييب مطالبه السياسية الأساسية مقابل تفاهمات ومناصب محدودة؟
لقد كان مطلب الكورد واضحاً منذ البداية: الفيدرالية، واللامركزية، والدستور الديمقراطي، والدولة البرلمانية التعددية التي تضمن حقوق جميع المكونات السورية. لكن مع مرور الوقت، جرى اختزال كل هذه المطالب التاريخية في عدد محدود من المناصب الوزارية أو البرلمانية أو الإدارية، وكأن تضحيات الشعب الكوردي يمكن أن تُختصر بمقاعد ومكاسب شخصية وحزبية.
وما زاد من حالة الإحباط، أن بعض الأطراف، سواء من السلطة القائمة أو من بعض القوى الكوردية التقليدية، تعاملت مع القضية الكوردية باعتبارها وسيلة للنفوذ السياسي وليس مشروعاً وطنياً جامعاً. فبدلاً من بناء مرجعية كوردية موحدة تمثل الجميع، تم احتكار القرار وتهميش بقية القوى والشخصيات الوطنية، سواء من المجلس الوطني الكوردي أو من المستقلين أو من الأصوات المعارضة الأخرى، وتحولت القضية إلى ساحة صراع على النفوذ والمكاسب.
لقد نسي كثيرون أن القضية الكوردية ليست حقيبة وزارية، وليست مقعداً برلمانياً، وليست منصب محافظ أو مسؤول. القضية الكوردية هي قضية شعب يعيش على أرضه التاريخية، قدّم آلاف الشهداء والمعتقلين والمهجرين من أجل الاعتراف بوجوده وحقوقه القومية والسياسية والثقافية. لكن بدلاً من ترجمة هذه التضحيات إلى مشروع سياسي جامع، جرى تسخيرها لخدمة مصالح حزبية وشخصية ضيقة.
إن أخطر ما أصاب الحالة الكوردية خلال السنوات الماضية ليس فقط الخسائر العسكرية والجغرافية، بل خسارة الثقة بين الشارع والقوى السياسية، وتحول الشعور العام إلى حالة من الإحباط والغضب من احتكار القرار والتحدث باسم الشعب دون تفويض حقيقي.
واليوم، وبعد كل هذه السنوات الثقيلة، بات من الضروري إعادة مراجعة التجربة كاملة بشجاعة ومسؤولية وطنية. فلا يمكن الاستمرار بالعقلية ذاتها والنتائج ذاتها. ولا يمكن لأي طرف أن يحتكر تمثيل الشارع الكوردي أو يدّعي امتلاك الحقيقة وحده. فالشعب الكوردي أكبر من الأحزاب، وأعمق من المصالح الضيقة، وقضيته لا يمكن أن تُدار بمنطق الإقصاء والتفرد.
إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مشروع كوردي وطني جامع، يقوم على الشراكة الحقيقية، واحترام التعددية السياسية، والعودة إلى المطالب الأساسية التي خرج الناس من أجلها منذ البداية: سوريا ديمقراطية تعددية برلمانية، تضمن اللامركزية السياسية وحقوق الكورد وجميع المكونات، بعيداً عن عقلية الهيمنة واحتكار القرار.
 والشعوب لا تنسى، والشارع الكوردي لم يعد يقبل أن يُستخدم اسمه لتبرير الأخطاء أو تمرير الصفقات أو احتكار السلطة باسم قضية عادلة دفع ثمنها آلاف الأبرياء.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أ. د. سربست نبي القابلية لإقناع الذات وخداعها إزاء الواقع، هو استعداد وسلوك نفسي مشترك ينشأ لدى الجماعات والأفراد، الذين بلغوا درجة من العجز المطلق إزاء فهم واقعهم وتفسيره بعد أن فُرض عليهم قسراً، واستسلموا فعلياً له. ورغم ذلك يلجؤون إلى ميكانيزمات لخداع الذات والتحايل عليها عبر إسباغ معنى أو دلالة معاكسة لهذا الواقع كما هو بالفعل. فالأمم تخدع نفسها…

ماجد ع محمد إذا ما صدق موقع “أكسيوس” بأن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب اختارت رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني ليكون قناة خلفية للتواصل مباشرة مع قيادة “الحرس الثوري” الإيراني، بعدما ساورت واشنطن شكوك بشأن صلاحيات المفاوضين الإيرانيين لإبرام اتفاق ينهي الحرب. فهذا يعني بأن بارزاني حلقة وصل مهمة وفاعل خير وليس محضر شر، وفي العرف الإنساني يُكافأ فاعل…

عبد الجابر حبيب لا أعتقد أن المشكلة في أن ننتقد صلاح الدين أو نعيد قراءة دوره في التاريخ، فهذا حق مشروع، لكن المشكلة تبدأ عندما ننظر إلى التاريخ بعين اليوم، ثم نحاكم شخصيات الماضي وفق مفاهيم سياسية وقومية لم تكن موجودة في زمنها. من يقول إن صلاح الدين قصر بحق الكورد، وخدم غير هم، ولم يسعَ إلى تأسيس دولة كوردية،…

صلاح بدرالدين قبل مائة عام بدأت معالم هذه المدينة بالظهور مع تواجد حامية الانتداب الفرنسي على التلة المقابلة لمدينة نصيبين – التركية – ووضع المهندسون الفرنسييون الخرائط ، واللبنة الأولى لبناء مدينة على نهر – جقجق – المتدفق من ينابيع وادي – بونصرا – قبل تغيير مجراه – في ولاية ماردين بكردستان تركيا . هناك في المنطقة الكردية السورية وأطرافها…