سوريا والتعددية: هل تكفي المواطنة وحدها؟

شادي حاجي 
أصبحت القضية الكردية في سوريا اختباراً حقيقياً لفكرة الدولة السورية الحديثة، ليس على المستوى الوطني والإقليمي فحسب، بل حتى على المستوى الدولي: هل يمكن بناء وطن مستقر يقوم على الاعتراف بالتنوع، أم أن الإنكار سيبقى أساس العلاقة بين الدولة ومكوناتها؟
على مدى عقود، عانى الشعب الكردي في سوريا من سياسات التهميش والتمييز، بدءاً من الإحصاء الاستثنائي عام 1962، وصولاً إلى مشاريع التعريب والحزام العربي، فضلاً عن إجراءات استثنائية وسياسات أخرى عمّقت الشعور بالغبن، وأضعفت الثقة بين الكرد والدولة.
في المقابل، ظلّ الخطاب الرسمي يطرح مفهوم “المواطنة” بوصفه الحل الكامل، متجاهلاً أن المواطنة الحقيقية لا تعني فقط حمل الجنسية، بل تشمل أيضاً الاعتراف بالهوية القومية والسياسية والثقافية، وضمان المشاركة السياسية العادلة لجميع المكونات. وفي هذا السياق، فإن الاكتفاء بطرح المواطنة المجردة وبعض الإجراءات الإدارية المحدودة، من دون مقاربة دستورية تعترف بالحقوق القومية والسياسية للكرد، لا يبدو كافياً لبناء شراكة وطنية مستقرة ومستدامة.
إن الاعتراف بالحقوق القومية للشعب الكردي لا يتعارض مع وحدة سوريا، بل يشكّل مدخلاً أساسياً لاستقرارها. فقد أثبتت التجارب الحديثة أن الدول المتعددة القوميات والأديان والطوائف تستطيع الحفاظ على وحدتها عبر أنظمة ديمقراطية تضمن الشراكة والعدالة، لا من خلال سياسات الصهر والإقصاء.
واليوم، تبدو سوريا بحاجة، أكثر من أي وقت مضى، إلى عقد وطني جديد يقوم على الاعتراف بالتعددية، وسيادة القانون، والمساواة بين جميع المواطنين، بحيث يشعر الجميع بأنهم شركاء حقيقيون في الوطن، لا مجرد جماعات متعايشة تحت سلطة واحدة.
وإلى مستقبل أكثر نضجاً وعدالة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…

د. محمود عباس ورغم قناعتنا التامة بأن هذه الترهات لن تهزّ ركيزة الأمة الكوردية، لأنها والجغرافيا كتلة واحدة لا تنفصل، فإن الرد عليها يبقى ضرورة أخلاقية وثقافية. ليس لأننا نخشى على الحقيقة من السقوط، بل لأن تعرية الفاسدين أمام مجتمعاتهم واجب، ولأن تركهم يعبثون بالتاريخ بلا ردّ يمنحهم وهم الشرعية. غايتنا ليست النزول إلى مستنقعهم، بل…