نورالدين عمر
تمر المنطقة بشكل عام وكردستان بشكل خاص بلحظات عصيبة، كما تعيش روجافا وضع استثنائي وحساس، تفرض علينا دائما قراءة المشهد بعيداً عن العاطفة الآنية. ففيما يخص الانتهاكات والاساءة إلى الرموز الوطنية التي حدثت في احتفالات عيد نوروز تستوجب توضيح بعض النقاط. ومن هنا، يمكن تلخيص المشهد في ثماني ملاحظات:
١-إن ما شهدته مدينة عفرين ليلة نوروز من اعتداءات سافرة استهدفت المحتفلين الكرد وعلمهم، لم يكن مجرد سلوك فردي، بل محاولة ممنهجة من قبل المستوطنين لطمس هوية المنطقة ومنع أهلها من أبسط حقوقهم الاحتفالية. والمؤسف هنا ليس الجريمة فحسب، بل الصمت المريب أو محاولات التستر التي يمارسها بعض السياسيين ومنها كرد مع الأسف، الذين آثروا التعامي عن الحقيقة وتجميل وجه الانتهاكات.
٢-في المقابل، لا يمكن إغفال حادثة إنزال العلم السوري في مدينة كوباني صبيحة العيد؛ ورغم قيام قوى الأمن (الأسايش) باعتقال الفاعل، إلا أن الإدارة الذاتية وقعت في فخ التقصير الإعلامي والتأخر في التوضيح. هذا الفراغ في الخطاب الرسمي سمح لجهات معادية باستغلال الحادثة للهجوم على الشعب الكردي بشكل عام، وتشويه صورته الوطنية.
٣-بالنظر إلى ميزان الحقوق، نجد أن الاعتداءات التي تلت ذلك في عفرين كانت جرائم فظيعة لا تقبل المقارنة بأي فعل آخر. فكل الأعلام والرايات لا تزن شيئاً أمام كرامة الإنسان وحريته. لقد اتخذ العنصريون والمستوطنون من “حادثة العلم” ذريعة واهية للاعتداء على الكرد، وهم منذ سنوات يحتلون منازل الكرد ويذلون سكانها بأبشع الوسائل.
٤-ما شهدته مدينتا القامشلي والحسكة من هجمات على مراكز الأمن العام، فلا يمكن فهمه إلا في سياق “رد الفعل” العفوي من شباب كردي استفزته مشاهد القهر والاعتداءات الوحشية في عفرين؛ فكان الغضب الشعبي صدىً لآلام المهجرين والمنتهكة حقوقهم.
٥-يبرز جلياً وجود فئات “مستفيدة” من الطرفين (عرباً وكرداً) لا يخدمها تحقيق السلام في سوريا. هؤلاء يعملون كأدوات تحريض وتجييش للبسطاء، وربما يرتبط الكثير منهم بمراكز استخباراتية إقليمية تسعى بوعي كامل لتفجير الوضع السوري داخلياً كلما لاحت بوادر للتهدئة.
٦-ما حدث لا تعفى الحركة الكردية، وتحديداً أحزاب الإدارة الذاتية، من مسؤولية، وخاصة أنها تقاعست ولسنوات عن تبني “علم الاستقلال”. إن ربط هذا العلم بجرائم الفصائل المسلحة هو خطأ؛ فهذا العلم هو رمز للثورة السورية التي انطلقت في 2011، وتبنيه يقطع الطريق على المزايدين، ويؤكد على الهوية السورية الجامعة التي تنبذ التطرف والتبعية.
٧-لا بد من ترسيخ ثقافة حضارية تنبذ إهانة الرموز والرايات أياً كانت. إن الاحتجاج السياسي لا يعطي أحداً الحق في تمزيق أو حرق الأعلام (سواء كان علم كردستان، أو سوريا، أو حتى أعلام الدول المجاورة)، فالعلم يمثل شعوباً وتاريخاً، والمساس به هو مساس بكرامة تلك الشعوب. إن أرقى أشكال النضال هي التي تحترم الرموز وتجيد مقارعة الحجة بالحجة، لا الحرق والتمزيق.
٨-إن ما يثير الأسى في هذه الأزمات هو استغلال بعض السياسيين الكرد لكل حادثة لتصفية حسابات حزبية ضيقة؛ حيث يتم توجيه السهام لطرف كردي معين وتحميله المسؤولية الكاملة، في محاولة بائسة لتبرئة أطراف خارجية أو فصائل مسلحة ارتكبت الانتهاكات، وذلك إما بدافع التزلف والمصالح الشخصية، أو بسبب حقد سياسي دفين. إن هذا النهج لا يخدم سوى أعداء الحقوق الكردية، ويحول النضال السياسي إلى حالة من “التطبيل” على حساب كرامة الشعب.
وفي الختام، يجب أن يدرك الجميع أن الفتنة والتحريض ليسا في صالح أحد، بل هما وقود يجر المنطقة نحو مزيد من الصراع والاقتتال الداخلي. إن الوقوف في وجه خطاب الكراهية واجب أخلاقي، ولكن الأهم من ذلك هو العمل الجاد والمخلص لتحقيق “الوحدة الكردية”، تماشياً مع الرسائل التاريخية التي أطلقها زعماء الكرد في نوروز. إن المرحلة تتطلب تكاتفاً يترفع عن الأحقاد، وخطاباً يجمع الصفوف بدلاً من التهجم الممنهج الذي لا يورث إلا الضعف والشتات.