عدنان بدرالدين
لم يعد السؤال في الملف الإيراني: هل سيسقط النظام؟
بل: لماذا لم يسقط حتى الآن رغم ضعفه؟ ولماذا يستمر الصراع دون حسم؟
الأهم بالنسبة للكرد في كردستان الشرقية:
ماذا يعني هذا الوضع المعلّق لمستقبلهم السياسي؟
خلال السنوات الأخيرة، تكرّس نمط واضح:
لا انهيار داخلي، ولا حسم خارجي، ولا تسوية سياسية.
بل حالة مستمرة من الاستنزاف المُدار- أي صراع قائم يُؤجَّل حسمه دون أن يتوقف.
هذا النمط لا يترك الكرد خارج المعادلة، بل يضعهم في قلبها، دون أن يمنحهم القدرة على التأثير في مسارها.
الشعب الكردي في كردستان الشرقية ليس هامشاً
الشعب الكردي في كردستان الشرقية ليس هامشاً.
فهو صاحب تجربة سياسية مبكرة في تاريخ الحركة القومية الكردية، تجلّت في جمهورية مهاباد، أول كيان كردي حديث في التاريخ المعاصر.
كما يمتلك تقاليد نضالية وتنظيمية واضحة، ظهرت في الأحزاب الكردية المختلفة، وفي حضوره البارز في الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها إيران عقب مقتل الشابة الكردية مهسا أميني، والتي تحولت إلى موجة احتجاج واسعة.
ومع ذلك، لا يتحول هذا الحضور التاريخي والسياسي إلى تأثير حاسم على مستوى الدولة.
لماذا لا يتحول الضعف إلى فرصة؟
يبدو النظام الإيراني هشاً: أزمات اقتصادية، توترات اجتماعية، وعزلة دولية.
لكن هذا الضعف لا يتحول إلى انهيار.
السبب لا يقتصر على أدوات القمع،
بل يرتبط بطبيعة النظام نفسه، وببنية “التوافق السياسي” في إيران.
فالنظام قائم على شرعية أيديولوجية تتجاوز المجتمع،
ولا يعترف عملياً بالحقوق القومية الجماعية.
بل إن هذا الموقف لا يقتصر على السلطة،
إذ تشترك معه – بدرجات مختلفة – قوى مركزية داخل المعارضة الإيرانية.
في مقدمة هذه القوى يأتي تيار نجل الشاه، الذي أعلن صراحة أنه سيتصدى بقوة لأي طموحات قومية كردية، في ظل تصاعد الحديث عن استخدام العامل الكردي في الصراع داخل إيران.
هنا يظهر التناقض بوضوح:
الكرد يطرحون تصوراً لإيران كدولة متعددة القوميات،
بينما تصر قوى مؤثرة على تعريفها كدولة أحادية الهوية.
وفي ظل هذا الانقسام، لا يتحول الضعف إلى لحظة تغيير،
بل إلى حالة جمود ممتدة.
الضغط الخارجي: إضعاف دون تغيير
رغم الضغوط الدولية الكبيرة، لم يحدث تغيير سياسي حاسم.
فالسياسات تجاه إيران تتركز على:
الملف النووي،
والأمن الإقليمي،
والقدرات الصاروخية،
وأذرعها الإقليمية،
والتوازنات الدولية.
أما قضايا القوميات – ومنها القضية الكردية – فتبقى خارج الأولويات.
في الوقت نفسه، تخشى القوى الدولية من سيناريو انهيار غير منضبط لإيران،
لما قد يحمله من فوضى إقليمية واسعة.
لذلك، يُمارس الضغط ضمن حدود:
يضعف النظام، لكنه لا يدفع نحو إسقاطه.
وبالنسبة للكرد، هذا يعني غياب رافعة خارجية حقيقية – على عكس ما حدث جزئياً في العراق، وبدرجة أقل في سوريا.
تجارب الإقليم: لماذا تختلف الحالة الإيرانية؟
في العراق، أدى ضعف الدولة إلى إعادة توزيع للسلطة وقيام إقليم كردستان.
وفي سوريا، فتحت الحرب المجال لظهور إدارة ذاتية، لكنها لم تحظ بدعم إقليمي أو دولي مستقر، ويبدو أنها دخلت، بعد التفاهمات الأخيرة، مرحلة تراجع وربما تفكك تدريجي.
أما في إيران، فالوضع مختلف:
النظام ضعيف – لكن شروط انهياره لم تنضج بعد.
والمجتمع متذمر- لكنه غير موحد سياسياً.
وهذا ما يجعل الحالة الإيرانية أقرب إلى تعليق مستمر،
لا إلى انتقال سياسي.
كردستان الشرقية بين ثلاثة حدود
القضية الكردية في إيران تتحرك ضمن ثلاثة حدود واضحة:
حد داخلي:
نظام يجرّم أي تعبير سياسي كردي خارج إطار السيطرة الأمنية.
حد قومي فارسي:
غياب قبول حقيقي بإعادة تعريف الدولة كدولة متعددة القوميات.
حد إقليمي ودولي:
غياب إرادة خارجية لدفع تغيير بنيوي في النظام.
هذا الوضع لا يلغي الحضور الكردي،
لكنه يحدّ من قدرته على التحول إلى مشروع سياسي حاسم.
الخلاصة: صراع مستمر… وحسم مؤجَّل
ما يجري في إيران ليس انتقالاً سياسياً،
بل صراع مستمر لم يصل بعد إلى نقطة الحسم.
وهذا لا يعني أن سقوط النظام مستحيل،
بل أن شروطه لم تتبلور بعد ضمن المعادلة الحالية.
بالنسبة للكرد في كردستان الشرقية،
فإن التحدي لا يكمن فقط في مواجهة النظام،
بل في التفكير بكيفية بناء موقع سياسي فاعل داخل واقع لا ينهار… ولا يتغير سريعاً.
السؤال لم يعد: متى يسقط النظام؟
بل: كيف يمكن التحرك سياسياً في ظل صراع مفتوح… بلا نهاية قريبة؟
22 مارس 2026