كوردستان في مرمى الفشل العراقي

كفاح محمود

  لا يمكن فهم القصف المتكرر على إقليم كوردستان بوصفه مجرد رد فعل أمني أو ارتداد عابر لصراعات المنطقة؛ فهذه الهجمات، التي استهدفت خلال سنوات طويلة المطارات والفنادق وحقول النفط والغاز والبنى الحيوية، تكشف عن هدف أبعد من التخريب المباشر: كسر نموذج مختلف داخل العراق، فالإقليم لم يعد في نظر خصومه مجرد مساحة جغرافية، بل صار تجربة سياسية واقتصادية وإدارية تثير المقارنة، والمقارنة هنا هي أخطر ما تخشاه قوى الفشل والسلاح.

  السبب الأول لهذا العداء أن ازدهار الإقليم يفتح أعين مواطني المحافظات الأخرى، ولا سيما محافظات الوسط والجنوب التي أنهكتها هيمنة الميليشيات وسوء الإدارة، حين يرى العراقي أن جزءاً من بلده استطاع أن يبني قدراً معقولاً من الاستقرار والخدمات والعمران والاستثمار، فإنه سيسأل فوراً: لماذا نجحوا هناك وفشلنا هنا؟ ولهذا لا تتعامل تلك القوى مع تجربة كوردستان بوصفها نجاحاً عراقياً ينبغي تعميمه، بل بوصفها فضيحة سياسية تكشف عجزها، ولذلك تحاول وقف هذا الازدهار بكل الوسائل، من الحصار المالي إلى القصف الأمني إلى التشويه الإعلامي.

  والسبب الثاني أن كوردستان تحولت إلى مقصد عراقي واسع، لا إلى منطقة منغلقة كما تحاول دعايات الخصوم تصويرها، فملايين العراقيين، ومعظمهم من أبناء الوسط والجنوب، يقصدون الإقليم سنوياً للسياحة والاستجمام والعمل والتجارة، وهذا التدفق البشري الهائل لا ينعش الاقتصاد الكوردستاني فحسب، بل ينسف أيضاً خطاب الكراهية الذي يروّج لعزل الإقليم أو شيطنته، فكل زائر يعود بانطباع مباشر يرى فيه الأمن والنظام والخدمة والسوق المفتوحة، وهذا أخطر على خصوم الإقليم من أي خطاب سياسي؛ لأنه يبدد الرواية التي بنوا عليها عداءهم.

  أما السبب الثالث، فهو أن الإقليم بقي الجدار العراقي الوحيد الذي لم تستطع الميليشيات وممولوه اختراقه بالكامل، ففي الوقت الذي مدت فيه هذه الجماعات أذرعها إلى مؤسسات الدولة والبرلمان والاقتصاد والإدارة في مناطق واسعة من العراق، ظل إقليم كوردستان عصياً على الإخضاع التام، ومن هنا نفهم شراسة استهدافه، ومحاولات شق الصف الكردي، ودعم بعض المنافسات والانقسامات الداخلية، والعمل الدائم على إضعاف القيادة الكوردستانية، وخصوصاً حين تتمسك بخيار الشراكة الدستورية والفيدرالية ورفض تحويل العراق إلى ساحة ملحقة بمشاريع خارج الدولة.

  وثمة سبب رابع لا يقل أهمية، وهو أن الإقليم أصبح ملاذاً آمناً لكثير من المعارضين للعملية السياسية الحالية، ولخصوم الأحزاب الدينية، ولأصحاب الرأي الذين ضاقت بهم البيئات الخاضعة لسطوة السلاح أو الابتزاز السياسي، كما بات أرضاً خصبة للاستثمار العراقي والعربي والأجنبي، لأن رأس المال يبحث بطبيعته عن بيئة أكثر أمناً واستقراراً وقابلية للتنبؤ، ولذلك فإن ضرب كوردستان لا يستهدف فقط الحجر والمنشآت، بل يستهدف أيضاً السمعة والثقة وفرص الاستثمار، أي يستهدف صورة الإقليم بوصفه مساحة قابلة للحياة والنمو في عراق مضطرب.

  لهذا كلّه، لا يبدو قصف كوردستان فعلاً منفصلاً أو نزوة ميدانية، بل جزءاً من مسار أوسع يريد معاقبة أي نموذج يثبت أن العراق يمكن أن يُدار خارج منطق الميليشيا، وأن الفيدرالية يمكن أن تكون إطاراً للاستقرار لا ذريعة للتخوين، ومن هنا فإن السؤال الأدق ليس: لماذا تُقصف كوردستان؟ بل: من المستفيد من إطفاء بقعة الضوء الوحيدة التي ما تزال تذكّر العراقيين بأن الفشل ليس قدراً، وأن الدولة ممكنة إذا انكسر احتكار السلاح والهيمنة؟

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

إبراهيم محمود إذا أردتم يا أخوة المصير المشترك في المكان المشترك في المئوية السنوية الأولى لمدينتكم أو مدينتنا المشتركة قامشلو/ قامشلي، ولو من باب الوفاء لهذه المدينة ذات الوجوه الأثيرة واللغات الأثيرة والمقامات الأثيرة المشتركة، فيمكن ذلك من خلال التالي: -ثبّتوا لوحة جدارية مضاءة من الداخل على مداخلها الثلاثة، وهي تحمل التلوينات التالي المشيرة إلى أحيائها: حي الزهراء، المعروف باسم…

عبدالله كدو في مئوية مدينة قامشلي، سوريا المصغّرة، التي جمعت، ولا تزال، الكرد والعرب والسريان الآشوريين الكلدان والأرمن، مسلمين ومسيحيين وإيزيديين، وكان اليهود جزءاً من نسيجها المجتمعي سابقاً، هذه المدينة التي يعتبرها الكرد عاصمتهم السياسية.، نعتذر إلى شهدائنا وجميع ضحايانا، وإلى عائلاتهم جميعاً، بدءاً، بحسب التسلسل الزمني للاستشهاد والاختطاف والتغييب، وبحسب ما أتذكر، من شهيد نوروز سليمان آدي، وشهداء انتفاضة…

فيصل اسماعيل اسماعيل مرور مئة عام على تأسيس قامشلو ليس مجرد مناسبة للاحتفال واستعادة الذكريات، بل محطة تاريخية تستحق وقفة جادة أمام ماضي المدينة وحاضرها ومستقبلها. فالسؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا كانت قامشلو خلال مئة عام؟ بل: ماذا نريدها أن تكون خلال المئة عام القادمة؟ نشأت قامشلو وتطورت على أرضٍ شكل التنوع أحد أهم ملامحها؛ كرداً وسرياناً وآشوريين وأرمن وعرباً…

اكرم محمد تُعد دراسة أسماء المواقع والجغرافيا في منطقة الجزيرة الفراتية العليا مفتاحاً أساسياً وفكرياً لفهم هوية الأرض وسكانها الأصليين والامتداد العشائري والبيئي المرتبط بها عبر العصور. ومن أبرز الحواضر التي دار حول اسمها نقاش وجدل واسع في الأوساط الثقافية والإدارية مدينة القامشلي، المعروفة شعبياً وفي الوجدان الجمعي باسم قامشلو. ويرى البعض، بظاهر العبارة وسجلاتها الحديثة، أن الاسم تركي المنشأ،…