أزمة الحركة السياسية الكوردية في سوريا

حسن قاسم

منذ عام 1957، مع تأسيس أول تنظيم سياسي قومي كوردي في سوريا حمل على عاتقه الدفاع عن الحقوق القومية للشعب الكوردي، وحتى اليوم، لم تشهد أدوات وأساليب النضال السياسي الكوردي التحول المطلوب الذي تفرضه طبيعة المرحلة. فعلى امتداد عقود طويلة، بقيت البنية التنظيمية للأحزاب الكوردية أسيرة أساليب تقليدية، بينما تغيّر العالم من حولها سياسياً وتقنياً واجتماعياً.

هذه الجمودات التنظيمية لم تكن بلا ثمن؛ إذ تسللت إلى داخلها أمراض مزمنة، أبرزها الانشقاقات المتكررة، والصراعات الشخصية، وغياب المؤسسية، وضعف تجديد الخطاب السياسي. وبدلاً من أن تؤدي الانقسامات إلى تنوع صحي، تحولت إلى حالة تضخم حزبي غير مسبوقة، حيث تكاثرت الأحزاب الكوردية في غرب كوردستان حتى قاربت المئة حزب، في مشهد يعكس التشظي أكثر مما يعكس الحيوية السياسية.

هذه الكثرة لم تنتج قوة، بل أضعفت الحركة السياسية وشتتت طاقات المجتمع، وأدت إلى تراجع واضح في القدرة على تحقيق أي مكسب حقيقي للقضية الكوردية. فالقضية التي تحتاج إلى وحدة رؤية وإرادة، وجدت نفسها رهينة تنافسات صغيرة وحسابات ضيقة، في وقت تتعرض فيه المنطقة لتحولات عميقة ومشاريع خطيرة تهدد مستقبل الشعب الكوردي وهويته القومية.

المشكلة اليوم لم تعد فقط في عدد الأحزاب، بل في طبيعة الأدوات المستخدمة. العالم دخل عصر التكنولوجيا السياسية: الإعلام الرقمي، مراكز الدراسات، إدارة الرأي العام، الدبلوماسية الناعمة، بناء شبكات التأثير، وصناعة القرار عبر البيانات والمعلومات. بينما ما تزال غالبية القوى السياسية الكوردية تعمل بعقلية عقود مضت، معتمدة على أساليب استهلكها الزمن ولم تعد قادرة على مواكبة حجم التحديات.

إن المرحلة الحالية تفرض ضرورة إعادة تشكيل المشهد السياسي الكوردي على أسس جديدة، تنطلق من الواقعية السياسية، وتستند إلى مشروع قومي واضح، بعيداً عن التشرذم والارتجال. وهذا يتطلب قبل كل شيء:

تقليص حالة التضخم الحزبي عبر الاندماج أو التنسيق المرحلي بين القوى المتقاربة.

بناء خطاب سياسي موحد تجاه القضايا المصيرية.

تطوير أدوات العمل السياسي بما يتلاءم مع العصر.

إشراك النخب الأكاديمية والمثقفين والشباب في صناعة القرار.

مواجهة المشاريع التي تستهدف إذابة الهوية القومية تحت عناوين فضفاضة مثل “الاندماج” أو “إعادة الهيكلة” دون ضمانات حقيقية.

إن الأيام المقبلة تحمل تحولات كبرى في الشرق الأوسط، وما يجري حولنا ليس عابراً. الوقائع القادمة ستكون الاختبار الحقيقي لمدى جاهزية الحركة السياسية الكوردية. فإما أن تستعد القوى السياسية، ومعها المثقفون والنشطاء الوطنيون، لقراءة المرحلة واستثمار الفرص ومواجهة التحديات، بما ينقذ القضية الكوردية من واقعها المتردي ويخرجها من عنق الزجاجة، وإما أن يبقى الكورد في موقع المتلقي، متأخرين عن ركب التحولات الكبرى، يدفعون مجدداً ثمن الانقسام والجمود.

إن اللحظة الراهنة ليست مجرد أزمة سياسية عابرة، بل هي لحظة مراجعة تاريخية، قد تحدد شكل ومستقبل القضية الكوردية في سوريا لعقود قادمة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل اسماعيل   لا تُقاس مكانة الدول العظمى بعدد المعارك التي تربحها، بل بقدرتها على تحويل تلك الانتصارات العسكرية إلى مكاسب سياسية دائمة. والتاريخ مليء بأمثلة لدول خرجت متفوقة عسكريًا، لكنها فقدت مكانتها الدولية بسبب إخفاقها في تحقيق أهدافها السياسية. لقد دخل الاتحاد السوفيتي أفغانستان وهو إحدى أعظم القوى العسكرية في العالم، وحقق تفوقًا عسكريًا في معظم مراحل الحرب، لكنه…

نظام مير محمدي *   كلما اندلعت انتفاضة في إيران، وتعالت أصوات المطالبين بإسقاط الدكتاتورية الدينية، عادت إلى الواجهة محاولات لإحياء بقايا نظام الشاه وتقديمها بوصفها البديل السياسي للنظام القائم. ولم يعد هذا المشهد مجرد تزامن، بل أصبح نمطاً متكرراً كلما اشتدت الضغوط على نظام الملالي واتسعت دائرة الاحتجاجات الشعبية. هذه الظاهرة تكشف تقاطع مصالح بين طرفين يبدوان متخاصمين، لكنهما…

أعلن الكاتب والسياسي الكردي صلاح بدر الدين قرب صدور كتابه الجديد “الكرد في الثورة السورية” عن دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، والذي يتناول مشاركة الكرد في الثورة السورية منذ انطلاقها عام 2011 وحتى التطورات التي شهدتها سوريا أواخر عام 2024، وذلك وفق ما نشره موقع تلفزيون سوريا. ويعرض الكتاب، بحسب المؤلف، رؤية توثيقية لتجربة الكرد خلال سنوات الثورة، مسلطا الضوء…

محسن مجدل اليوسف في الاونة الأخيرة تتعرض الجزيرة السورية إلى هجمة سياسية وجغرافية واجتماعية شرسة من قبل بعض المثقين العروبيين الحاقدين على الكورد، لتغيير حقيقة ان الكورد هم السكان الأصليين لها ويحاولون إثبات ذلك بشتى الوسائل. و بالمقابل يحاول المثقفون الشرفاء الملتزمين والغيورين بإظهار هذه الحقائق والوثائق التاريخية و كذلك إظهار الحقيقة و إن ما يصبون إليه هؤلاء العروبيون…