السلم الأهلي في الحسكة أمام خطر التحريض والفتنة .

د . مرشد اليوسف
تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر والانتقام المتبادل.
إن مقتل اثنين من عناصر لواء القامشلي وإصابة آخرين، وفق ما يتم تداولها من قبل مجموعات عشائرية ، لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره حادثاً أمنياً عابراً. فإذا ثبت أن العملية تمت بدافع قومي أو على خلفية استهداف الكرد، فإنها تمثل اعتداءً على مبدأ المواطنة وعلى الاستقرار الاجتماعي في المحافظة، وتستوجب تحقيقاً قضائياً شفافاً يكشف المنفذين والمحرضين وكل من يقف وراءهم.
الحسكة ليست ملكاً لمكوّن واحد، وإنما هي فضاء تاريخي واجتماعي مشترك للكرد والعرب والسريان والآشوريين وغيرهم. وقد عاشت هذه المكونات لعقود طويلة في ظل ظروف سياسية واقتصادية وأمنية معقدة، ولذلك فإن أي محاولة لإثارة العداء بينها لن تؤدي إلا إلى إضعاف الجميع. فحين يتحول الخلاف السياسي إلى تحريض قومي، وحين تتحول الخصومة إلى تهديد بقتل الكرد أو الإبادةالجماعية ، يصبح المجتمع كله أمام خطر الانزلاق إلى الفوضى.
ومن هنا تقع على الحكومة السورية مسؤولية أساسية لا يمكن التهرب منها. ففرض القانون لا يعني استخدام القوة العمياء، وإنما يعني أن تكون الدولة حاضرة بقوة القانون، وأن تمنع حمل السلاح خارج المؤسسات الشرعية، وأن تلاحق المحرضين والقتلة، وأن تضمن حماية المواطنين دون تمييز على أساس القومية أو العشيرة أو المنطقة.
كما أن الحديث عن وجود «أجندات خارجية» خلف بعض التحركات لا ينبغي أن يبقى مجرد اتهام سياسي. فإذا كانت هناك جهات خارجية تموّل أو تحرض أو تسعى إلى إشعال الصراع بين مكونات الحسكة، فعلى الأجهزة المختصة أن تحقق في ذلك وتقدم الأدلة للرأي العام والقضاء. أما إطلاق الاتهامات الجماعية على العشائر العربية أو أي مكوّن اجتماعي آخر، فهو خطأ لا يقل خطورة عن الجريمة نفسها، لأنه يدفع الأبرياء إلى دائرة الصراع ويعمق الانقسام المجتمعي.
إن العشائر العربية في الحسكة ليست كتلة واحدة، كما أن الكرد ليسوا كتلة سياسية واحدة. وفي كلا المكوّنين توجد شخصيات وقوى اجتماعية وسياسية تدرك أن مستقبل المحافظة لا يمكن أن يُبنى إلا بالشراكة. ولذلك ينبغي الاستناد إلى أصوات العقلاء وشيوخ العشائر والشخصيات الدينية والاجتماعية والثقافية التي تستطيع لعب دور حقيقي في تهدئة الشارع ومنع الانتقام والتحريض.
وفي المقابل، فإن على القوى الكردية أيضاً أن تتمسك بأعلى درجات ضبط النفس، وأن ترفض تحويل الجرائم الفردية إلى صراع بين القوميات. فالرد على الجريمة يجب أن يكون عبر المؤسسات القانونية، لا عبر الانتقام الجماعي. وكلما ارتفع منسوب المسؤولية السياسية والاجتماعية، ضاقت المساحة أمام من يريدون إشعال الفتنة.
إن الخطر الحقيقي الذي يواجه الحسكة اليوم ليس في اختلاف العرب والكرد، فهذا الاختلاف القومي والثقافي يمكن أن يكون مصدر غنى للمحافظة، وإنما في تحويل هذا الاختلاف إلى عداء وجودي. فحين يُقال للكرد إن وجودهم مهدد، أو يُقال للعرب إن حقوقهم مهددة، يصبح الخوف وقوداً للتحريض، ويصبح السلاح بديلاً عن الحوار.
ولهذا فإن حماية السلم الأهلي في الحسكة تحتاج إلى معادلة واضحة:
لا حصانة للقاتل، ولا حماية للمحرض، ولا عقاب جماعي، ولا استهداف لمكوّن بأكمله، ولا تساهل مع خطاب الإبادة والكراهية.
إن الدولة القوية ليست الدولة التي تعاقب جماعة بأكملها، وإنما الدولة التي تستطيع الوصول إلى الجاني ومحاسبته، أياً كان انتماؤه. وإذا أرادت الحكومة السورية أن تثبت قدرتها على إدارة الحسكة وسائر المناطق السورية، فإن الاختبار الحقيقي يكمن في قدرتها على حماية المواطن الكردي والعربي والسرياني والآشوري على قدم المساواة.
الحسكة لا تحتاج إلى حرب جديدة، ولا إلى تعبئة عشائرية أو قومية، بل تحتاج إلى دولة قانون، وإلى تفاهمات اجتماعية وسياسية، وإلى ضمانات واضحة لجميع مكوناتها. وأي جهة تسعى إلى زعزعة هذا التعايش، سواء كانت داخلية أو خارجية، إنما تعمل ضد مصالح أبناء المحافظة جميعاً.
إن السلم الأهلي في الحسكة ليس مسؤولية الحكومة وحدها، إنه مسؤولية مشتركة للقوى السياسية والعشائر والمؤسسات الدينية والمجتمع المدني والمثقفين والإعلام. لكن المسؤولية الأكبر تبقى على عاتق الدولةوالادارة الذاتية ، لأنها وحدها تملك أدوات إنفاذ القانون.
ومن ثم، فإن المطلوب اليوم ليس خطاباً تصعيدياً جديداً، بل موقفاً حازماً وواضحاً: حماية الأرواح، كشف الجرائم، محاسبة مرتكبيها، منع التحريض القومي، وتجفيف كل مصادر التمويل والتسليح التي تهدد أمن المحافظة.
فالحسكة لا تحتمل العودة إلى منطق الثأر، ولا يجوز أن تتحول دماء الضحايا إلى شرارة لحرب أهلية. إن إنقاذ السلم الأهلي اليوم يتطلب أن ينتصر القانون على السلاح، والمواطنة على العصبية، والحوار على التحريض. وهذه هي الطريق الوحيدة التي تضمن للكرد والعرب وسائر مكونات الحسكة مستقبلاً آمناً ومشتركاً.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…

صلاح بدرالدين من تجربتي الشخصية في مجال الكتابة حول الحركة القومية – الوطنية الكردية السورية، حيث تناولت مبكراً مسألة تشخيص أزمة الحركة وسبل حلها، والإحاطة بعواملها الذاتية والموضوعية، وأسبابها الداخلية والخارجية برؤية نقدية، شعرت بلامبالاة إلى حدود تجاهل معظم النخب المثقفة، بل صدر من البعض رفض قاطع لوجود أية أزمة، وأن الحركة بخير، وكل…