عدنان بدرالدين
من سؤال الهوية إلى سؤال السيادة
بعد ثلاث حلقات تناولت تركيا وسوريا وإيران، يتضح أن اختلاف الأيديولوجيات لا يغيّر حقيقة بنيوية واحدة: الدولة ظلّت قادرة على حماية تعريف أحادي للجماعة السياسية، وبالتالي ظلّ احتكار القرار السيادي النهائي ممكنًا.
قد يُصاغ احتكار السيادة بلغة قومية صريحة كما في الحالة التركية، أو يُؤطَّر بعقيدة دستورية تعلو على المجال السياسي كما في إيران، أو يُعاد تغليفه بمرجعية دينية دون تفكيك التعريف القومي كما في سوريا. لكن النتيجة البنيوية واحدة: تعريف واحد للانتماء ومركز واحد يحتكر القرار السيادي النهائي.
في العراق يتغير نوع السؤال.
ليس لأن الدولة العراقية كانت أكثر تعددية في أصلها، بل لأن التعدد القومي — وخاصة الكردي — تحوّل مبكرًا إلى قوة سياسية لا يمكن إلغاؤها بآليات الصهر ولا احتواؤها طويلًا باعترافات رمزية محدودة.
عند هذه النقطة لم يعد السؤال: كيف نحمي تعريفًا واحدًا للدولة؟
بل أصبح: كيف يمكن توزيع السلطة داخل دولة واحدة حين تصبح الجماعة السياسية مركّبة بحكم الواقع السياسي نفسه؟
كسر مبكر لفكرة الهوية الأحادية
يقدّم الدستور العراقي المؤقت لعام 1958 لحظة دالّة في تاريخ المنطقة. فقد نصّ على أن (العرب والأكراد شركاء في هذا الوطن)، مع الاعتراف بحقوقهم القومية ضمن الوحدة العراقية.
لم يكن هذا مجرد تفصيل لغوي، بل كسرًا مبكرًا لفكرة تعريف الدولة بهوية قومية واحدة.
لكن هذا الاختراق بقي في مستوى الاعتراف أكثر مما كان إعادة تنظيم لبنية السلطة. فالدستور المؤقت، بحكم طبيعته الانتقالية وبنية الدولة المركزية آنذاك، لم يحوّل هذا الاعتراف إلى آليات مؤسسية تعيد توزيع القرار السياسي.
ظل القرار السيادي النهائي بيد المركز، وبقي التعدد — رغم حضوره في النص — دون أدوات دستورية تحوّل الشراكة إلى صلاحيات ومؤسسات فعلية.
وهنا تظهر سمة عراقية ستتكرر لاحقًا: الاعتراف يسبق الهندسة.
يُفتح باب في النص، لكن بنية الدولة لا تتغير بالقدر نفسه، فينشأ فراغ بين الوعد الدستوري وشكل السلطة الفعلي.
بيان 11 آذار 1970: تسوية تفاوضية وحدود الحكم الذاتي
إذا كان نص 1958 قد كسر رمزيًا فكرة الهوية الواحدة، فإن بيان 11 آذار 1970 مثّل خطوة أبعد. هنا لم يعد الاعتراف مجرد صيغة شراكة عامة، بل أصبح مشروع ترتيب سياسي يتضمن عناصر ملموسة: الاعتراف باللغة الكردية، تنظيم التعليم بها، المشاركة في الحكم، وبناء هياكل إدارية في إطار حكم ذاتي.
لكن أهمية هذا البيان لا تكمن فقط في بنوده، بل في طبيعته السياسية.
فهو لم يكن عقدًا دستوريًا يعيد تعريف الدولة، بل تسوية سياسية تفاوضية فرضها ميزان القوة بين الدولة العراقية والحركة الكردية بعد عقد من الحرب. صدر البيان عن السلطة الثورية الحاكمة، لا عن عملية دستورية ملزمة تعيد تنظيم توزيع السيادة داخل الدولة.
لهذا حمل الاتفاق منذ البداية تناقضًا بنيويًا واضحًا.
من جهة، اعتراف بأن هناك جماعة سياسية لا يمكن إخضاعها لتعريف أحادي للدولة.
ومن جهة أخرى، بقاء السيادة النهائية محتكرة من قبل المركز، لأن الحكم الذاتي طُرح داخل إطار دولة تحتفظ بحق الحسم النهائي والتفسير السياسي.
بهذا المعنى كان بيان 1970 هدنة سياسية قابلة لإعادة التفسير أكثر منه إطارًا دستوريًا يعيد توزيع السلطة. لذلك ظل التوتر قائمًا بين وعد الحكم الذاتي ومنطق الدولة المركزية التي لم تتخلَّ عن احتكار القرار السيادي النهائي، وهو التوتر الذي انفجر مجددًا بعد أربع سنوات.
الفيدرالية بعد 2005: محاولة دستورية لإعادة توزيع السيادة
التحول الأعمق جاء مع دستور 2005، حين أعلن العراق دولة اتحادية.
هنا لم يعد الاعتراف بالتعدد مجرد صيغة سياسية مؤقتة، بل أصبح جزءًا من النص الدستوري ذاته. أُقرت العربية والكردية لغتين رسميتين للدولة، واعترف الدستور بإقليم كردستان ككيان دستوري يتمتع بسلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية ضمن إطار الاتحاد.
بهذا المعنى لم يعد التعدد مجرد واقع اجتماعي تعترف به الدولة، بل أصبح عنصرًا في بنية السلطة نفسها.
السيادة لم تُلغَ من المركز، لكنها لم تعد محتكرة بالكامل من قبله. فقد جرى توزيع دستوري للصلاحيات بين المركز والإقليم، مع تحديد للاختصاصات الحصرية والمشتركة.
الفارق بين بيان 1970 ودستور 2005 ليس في حجم الصلاحيات فقط، بل في طبيعة الإطار نفسه: الأول كان تسوية سياسية قابلة للانهيار، أما الثاني فهو محاولة دستورية لإعادة تعريف العلاقة بين المركز والتعدد داخل بنية الدولة.
الفيدرالية بين النص والتطبيق
غير أن تحويل هذا الترتيب الدستوري إلى ممارسة مستقرة واجه منذ البداية تحديات كبيرة.
فالخلافات بين بغداد وأربيل حول الموازنة الاتحادية، ورواتب موظفي الإقليم، وتمويل قوات البيشمركة، وإدارة النفط والغاز، ومستقبل المناطق المتنازع عليها، تكشف أن الصراع لم ينته بكتابة الدستور، بل انتقل إلى ساحة تفسيره وتطبيقه.
كما أن البيئة الإقليمية غير المتقبلة عمومًا لفكرة الفيدرالية القومية — في تركيا وإيران وسوريا — تضيف طبقة إضافية من التعقيد إلى التجربة العراقية.
هنا تظهر مفارقة مهمة.
فالدستور أعلن توزيعًا للصلاحيات، لكن جزءًا من النخبة السياسية في بغداد ظل ينظر إلى هذا الترتيب بوصفه تنازلًا اضطراريًا أكثر منه عقدًا دائمًا لتنظيم الدولة.
لذلك لم يعد الصراع يدور حول وجود الفيدرالية في النص، بل حول مدى اتساعها في التطبيق:
هل تمثل الفيدرالية تقاسمًا فعليًا لبعض عناصر السلطة، أم مجرد ترتيب إداري قابل للتقييد والتأويل؟
بهذا المعنى لم يُلغِ دستور 2005 التوتر القديم بين المركز والتعدد، بل نقل هذا التوتر من ميدان الحرب إلى ميدان التأويل الدستوري والصراع السياسي.
لماذا تبدو الحالة العراقية منعطفًا
قد يبدو العراق حالة استثنائية بسبب سقوط النظام عام 2003 وكتابة دستور جديد، لكن الفارق البنيوي أعمق من ذلك.
في تركيا وإيران وسوريا ظل سؤال الدولة مطروحًا داخل أفق واحد: حماية تعريف جامع يحتكر السيادة والشرعية.
في العراق تغير سقف السؤال نفسه.
لم يعد الاعتراف بالتعدد مجرد سماح ثقافي أو إداري، بل أصبح شرطًا لبقاء الدولة نفسها.
لم يعد الكرد مجرد جماعة تطالب بحقوق ثقافية، بل أصبحوا طرفًا يطالب بنصيب من القرار السياسي داخل الدولة.
وهنا تظهر المفارقة.
في الدول الثلاث الأخرى يُنظر إلى التعدد بوصفه خطرًا على وحدة الدولة.
أما في العراق، فقد أصبح إنكار التعدد خطرًا على بقاء الدولة نفسها.
اختبار الشرعية
بهذا المعنى يمكن فهم القضية الكردية بوصفها اختبارًا لبنية الشرعية.
حين تطالب جماعة قومية بإعادة توزيع السلطة داخل الدولة، فهي لا تختبر مدى تسامح النظام السياسي فحسب، بل تختبر تعريف الجماعة السياسية ذاته.
الدولة التي تربط وجودها بتطابق السلطة مع هوية واحدة ترى في هذا الاختبار تهديدًا وجوديًا.
أما الدولة التي تقبل بأن الجماعة السياسية مركبة في أصلها، فتتعامل مع الاختبار بوصفه لحظة لإعادة تعريف الشرعية نفسها.
خاتمة السلسلة
ما تكشفه الحالات الأربع ليس اختلاف الأنظمة بقدر ما يكشف حدود الدولة الحديثة في المجتمعات المتعددة القوميات.
فحين تُبنى الشرعية على تعريف أحادي للجماعة السياسية، يصبح احتكار القرار السيادي النهائي شرطًا لبقاء الدولة، ويتحوّل التعدد إلى مصدر توتر دائم.
أما حين يفرض الواقع السياسي الاعتراف بأن الجماعة مركبة في أصلها، فإن السؤال يتغير: كيف يمكن توزيع السلطة دون تفكيك المجال السياسي نفسه؟
بهذا المعنى لا تمثل القضية الكردية استثناءً تاريخيًا، بل لحظة اختبار لبنية الدولة في الشرق الأوسط الحديث. فالدول التي تستطيع تحويل التعدد من تهديد إلى عنصر تأسيسي في نظامها السياسي تفتح أفقًا جديدًا للشرعية، أما الدول التي تبقى أسيرة تعريف واحد للجماعة السياسية فستظل تعيد إنتاج التوتر نفسه مهما تغيّرت الأيديولوجيات أو تبدلت الأنظمة.
نهاية السلسلة