د. محمود عباس
أخطر ما في الوعي العربي والإسلامي ليس عداءه لإسرائيل، بل عجزه عن مواجهة التناقض الساكن في داخله. فهو يقدّس موسى وداوود وسليمان، ويرفعهم إلى مقام النبوة، ويجعلهم جزءًا من عقيدته وصلواته وخطابه الديني، ثم حين يصل إلى الشعب الذي خرج منه هؤلاء، ينقلب فجأة إلى الإنكار، اليهود غرباء، إسرائيل كيان، التاريخ مزوّر، والذاكرة لا قيمة لها. أي وعي هذا الذي يقدّس الملك وينكر مملكته؟ يقدّس النبي وينفي قومه؟ يقرأ بني إسرائيل في كتبه المقدسة، ثم يتصرف كأنهم هبطوا على المنطقة من فراغ سياسي في القرن العشرين؟ من الذي نشر هذه الثقافة ورسّخها في وعي شعوب المنطقة؟
داوود لم يكن رمزًا روحيًا بلا أرض، بل ملكًا من ملوك بني إسرائيل. وسليمان لم يكن حكيمًا معلّقًا في السماء، بل ملكًا ارتبط اسمه بمملكة وهيكل وجغرافيا وسيادة. وموسى لم يكن قائدًا بلا شعب، بل كان مرتبطًا ببني إسرائيل بوصفهم جماعة تاريخية ودينية حاضرة في النصوص قبل السياسة. ومع ذلك يريدون منّا أن نصدق أن الشعب الذي ملأ كتبهم وأنبياءهم وذاكرتهم لا حق له في أرض، ولا معنى له في التاريخ، ولا شرعية له في الدولة.
والأكثر إثارة للسخرية أن جالوت، الذي يمكن قراءته خارج التفسير الديني بوصفه خصمًا محليًا واجه صعود الملك العبراني داوود، صار في الذاكرة الإسلامية “كافرًا مهزومًا”، بينما داوود صار نبيًا مقدسًا. لو كانت الذاكرة الفلسطينية قد بُنيت على قراءة قومية مستقلة، لكان جالوت رمزًا لمقاومة الملك العبراني، لا مجرد اسم يُلعن في سردية المنتصر الديني. لكن الذاكرة صيغت بطريقة غريبة، تقدّس ملوك بني إسرائيل، وتشيطن خصومهم، ثم تأتي السياسة الحديثة لتنكر على اليهود حقهم في التاريخ. إنها ذاكرة لا تعرف ماذا تريد؛ تؤمن بالنص حين يخدم العقيدة، وتكفر بدلالته حين يحرج السياسة.
هذه ليست مسألة لاهوتية، بل فضيحة ثقافية. من يؤمن بموسى وداوود وسليمان، ثم يقول إن اليهود بلا جذور، لا يقرأ التاريخ؛ إنه يمارس انتقاءً مريحًا. ومن يقدّس ملوك بني إسرائيل ثم ينكر مملكة بني إسرائيل، لا يدافع عن فلسطين، بل يهرب من سؤال التاريخ. ومن يجعل القدس مقدسة لأنها ارتبطت بالأنبياء، ثم ينكر أن أولئك الأنبياء كانوا في صلب الذاكرة اليهودية، فهو لا يحارب “الاحتلال” فقط، بل يحارب المعنى الذي تقوم عليه ذاكرته هو.
وقد يقال إن يهود اليوم ليسوا هم يهود تلك المرحلة، لكن هذا الاعتراض نفسه يكشف انتقائية الوعي. فهل كل الذين يسمّون أنفسهم عربًا اليوم في الدول العربية هم امتداد عرقي صافٍ لعرب الجزيرة؟ أم أن كثيرين منهم تعرّبوا باللغة والثقافة والانتماء، ثم صاروا جزءًا من القومية العربية؟ وهل كل من يعيش في تركيا اليوم ينحدر مباشرة من القبائل التركية القادمة من آسيا الوسطى؟ أم أن تركيا الحديثة صنعت قومية واسعة عبر اللغة والدولة والانتماء، وضمت شعوبًا وأعراقًا متعددة تحت اسم “الأتراك”؟ فلماذا يُقبل هذا المنطق في العروبة والتركية، ويُرفض حين يتعلق الأمر باليهود؟
اليهودية ليست دينًا عابرًا فقط، ولا القومية اليهودية اختراعًا سياسيًا حديثًا فقط، بل ذاكرة دينية–قومية متداخلة، تشكلت عبر النص واللغة والطقس والمنفى والحنين التاريخي إلى الأرض. وكما أن العربي قد يكون عربيًا باللغة والانتماء لا بصفاء الدم، والتركي تركيًا بالدولة واللغة لا بالأصل الآسيوي الخالص، فإن اليهودي أيضًا ينتمي إلى شعبه عبر الدين والذاكرة والهوية التاريخية، لا عبر اختبار دمٍ مستحيل.
وليس هذا التناقض محصورًا في إسرائيل. إنه العقل نفسه الذي تعامل مع كوردستان. يعترفون بالجغرافيا حين تخدمهم، وينكرونها حين تحمل اسم كوردستان. يتحدثون عن حق الشعوب حين يكون الشعب فلسطينيًا، ويكتشفون فجأة قداسة الحدود حين يكون الشعب كورديًا. يرفضون الاحتلال عندما يحمل اسم إسرائيل، ويحوّلونه إلى “أمن قومي” عندما تمارسه تركيا، وإلى “وحدة وطنية” عندما تمارسه سوريا والعراق، وإلى “حماية الدولة” عندما تمارسه إيران. بهذا المعنى، كوردستان ليست قضية سياسية فقط؛ إنها المرآة التي تكشف كذب المعجم كله.
المشكلة أن شعوب المنطقة لم تُربَّ على التفكير، بل على ترديد قاموس صنعته الأنظمة. قالوا لهم: فلسطين هي الحق المطلق، فصدقوا. قالوا لهم: إسرائيل كيان طارئ، فكرروا. قالوا لهم: كوردستان مؤامرة، فصفقوا. قالوا لهم: كل دولة رسمها الاستعمار وطن مقدس، إلا إذا كانت دولة يهودية، فهي كيان، وإلا إذا كانت كوردستان، فهي انفصال. هكذا صُنعت الثقافة السياسية: حقٌ لشعب، إنكار لشعب، قداسة لحدود، واحتقار لجغرافيا، ثم يسمون ذلك عدالة.
إن قادة إيران وتركيا والأنظمة العربية لا يكذبون على إسرائيل وحدها، بل يكذبون على شعوبهم أولًا. يلعنون إسرائيل في المنابر، ثم يطلبون رضا القوى الكبرى في الغرف المغلقة. يرفعون فلسطين شعارًا، ثم يساومون عليها في صفقات الأمن والنووي والحدود والممرات. يصرخون ضد “الكيان”، لكنهم لا يجرؤون على مواجهة الحقيقة الأبسط: لو كانوا يؤمنون فعلًا بحق الشعوب، لاعترفوا بحق اليهود في دولتهم، وبحق الفلسطينيين في العدالة، وبحق الكورد في كوردستان. لكنهم لا يريدون حقًا شاملًا؛ يريدون مظلومية قابلة للاستثمار.
لذلك لا يكفي أن نغيّر موقفًا سياسيًا؛ يجب أن نعيد تركيب الذاكرة. يجب أن يُقال للعقل العربي والإسلامي، لا تستطيع أن تقدّس أنبياء بني إسرائيل وتُنكر شعب بني إسرائيل. لا تستطيع أن تجعل داوود وسليمان جزءًا من إيمانك، ثم تمحو دلالتهما التاريخية عندما يصل الأمر إلى حق اليهود. لا تستطيع أن تبكي فلسطين باسم العدالة، ثم تسكت عن كوردستان باسم السيادة. لا تستطيع أن تلعن الاحتلال في القدس وتباركه في عفرين، وتبرره في مهاباد، وتغطيه في قامشلو، وتغضّ الطرف عنه في شنكال.
هذه هي الطعنة التي يجب أن تصل إلى قلب الثقافة الموروثة، إسرائيل ليست الفضيحة الوحيدة في وعيهم، بل كوردستان هي الفضيحة الأكبر. لأن إسرائيل تكشف خوفهم من التاريخ اليهودي، أما كوردستان فتكشف خوفهم من العدالة حين تصل إلى حدود دولهم. ومن هنا تبدأ إعادة بناء المفهوم: ليس كل ما لقّنته لنا الأنظمة حقيقة، وليس كل ما كررته المنابر عدالة، وليس كل ما سُمّي “وطنًا” مقدسًا، وليس كل ما سُمّي “كيانًا” باطلًا.
من يريد ثقافة سياسية جديدة عليه أن يبدأ من هذه القاعدة القاسية، الحق لا يصبح حقًا لأنه عربي أو مسلم، ولا يسقط لأنه يهودي أو كوردي. التاريخ لا يُقبل عندما يخدمنا ويُلغى عندما يفضحنا. والعدالة التي لا ترى إلا فلسطين، ولا ترى كوردستان، ليست عدالة؛ إنها أداة تعبئة. والذاكرة التي تقدّس ملوك اليهود ثم تنكر شعبهم، وتقدّس خرائط الاستعمار ثم تنكر كوردستان، ليست ذاكرة بريئة؛ إنها مصنع نفاق.
هذا ما يجب أن يُقال، لا بلغة الاعتذار، ولا بلغة المجاملة، بل بلغة تكسر القالب. فالمنطقة لن تخرج من كذبها على نفسها ما لم تسمع ما يؤلمها، أن اليهود ليسوا طارئين على التاريخ، وأن كوردستان ليست هامشًا على خرائط الآخرين، وأن الأنظمة التي علمت شعوبها كراهية إسرائيل هي نفسها التي علمتها إنكار الكورد. ومن هنا تبدأ المعركة الحقيقية، معركة تحرير الوعي من قاموس صنعه المحتلون، وفرضته الأنظمة الفاسدة، ورددته الشعوب كأنه وحي.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
8/5/2026م