أمريكا والكرد بين “مرارة” التجربة ورفاهية الاختيار

د. ولات محمد

 

    عندما سمحت واشنطن لقوات الحكومة السورية قبل شهرين من الآن بشن حرب في الحيين الكرديين (الشيخ مقصود والأشرفية) بحلب ثم في محافظتي الرقة والدير الزور على حليفتها (قسد) اتهمها بعض الكرد بخيانتهم والتخلي عنهم من جديد، وراح يلقي باللائمة على قيادة قسد لأنها وثقت بأمريكا “الغدارة الخائنة” ولم تتعظ من دروس “ماضيها الأسود”. وقد استعاد بعضهم ـ في هذا السياق ـ النصيحة التي قدمها أحد الساسة الكرد قبل سنوات لقيادة قسد عندما دعاهم إلى عدم الثقة بواشنطن وأخذ العبرة من خيانتها للثورة الكردية في سبعينيات القرن الماضي.

    قبل أيام تردد خبر مفاده أن واشنطن عرضت على قيادات من كرد إيران التعاون معها للسيطرة على شرق كردستان، وهذا ما أثار الذاكرة الكردية القريبة فراح أولئك الكرد (من باب الحرص والخوف) يحذرون أشقاءهم في إيران من الثقة بأمريكا مرة أخرى والوقوع في الفخ الذي وقع فيه أشقاؤهم في كل من العراق وسوريا من قبل.

    الأسئلة الذي يود المقال طرحها هنا هي: هل يمكن للكرد الحصول على أي حق دون مساعدة من قوة دولية؟ وما هي المحطات التي أضرت فيها أمريكا بالكرد عموماً عبر التاريخ وتستوجب أخذ العبرة، وما هي المحطات التي نفعتهم فيها؟

    إن استعراضاً بسيطاً لتاريخ النضال الكردي في وجه أنظمة الدول المقتسمة لجغرافية كردستان خلال قرن من الزمن يقدم لنا الآتي:

ـ اتفاقية سايكس وبيكو التي قسمت كردستان ثم اتفاقية لوزان التي خانت القوى الكبرى فيها الكرد (عندما نسفت وعودها لهم في اتفاقية سيفر) والتي منها بدأت مأساة الكرد في كل العالم وما زالت مستمرة حتى اليوم، لم تكن أمريكا شريكة في كل تلك الخيانات.  

ـ سقوط جمهورية كردستان في مهاباد (التجربة الكردية الرائدة) حدث بخيانة حقيقية وصريحة وتاريخية من دولة الاتحاد السوفييتي وليس من أمريكا. خيانة حقيقية لأن السوفييت هم الذين شجعوا الكرد على إنشاء جمهوريتهم ووعدوهم بدعمهم وحمايتهم من حكومة الشاه الإيراني آنذاك، ولكن مصالحهم اقتضت فيما بعد التخلي عن الكرد فخانوهم. هذه الخيانة التي أثرت في مصير الكرد حتى اليوم لم تقم أمريكا بمثلها في كل التاريخ الكردي.

ـ في المقابل، الكيان الكردي الوحيد القائم (شبه الدولة) المتمثل في إقليم كردستان الذي نراه اليوم جميلاً مزدهراً قوياً بفضل قيادته الحكيمة وتضحيات أبنائه، كانت أمريكا (إلى جانب فرنسا وبريطانيا) هي التي استصدرت قراراً من مجلس الأمن بحماية المناطق الكردية ثم فرضت منطقة حظر الطيران عام 1991، ما أتاح للكرد إدارة شؤونهم بأنفسهم إلى أن سقط النظام العراقي (أيضا بفضل أمريكا) وصار إقليم كردستان معترفاً به في الدستور العراقي بصفة رسمية.

ـ أمريكا نقلت أكبر سفاراتها في المنطقة إلى هولير. وهي تحمي الإقليم، تدعم التنمية فيه، وتدعم البيشمركة تدريباً وتوحيداً.

ـ تحالفت أمريكا مع الكرد في سوريا على مدى عشر سنوات لمحاربة داعش، ثم قامت بحمايتهم من الإبادة والتهجير على يد جيش الحكومة الجديدة في شهر يناير الماضي، وضغطت على مدى عام كامل باتجاه حماية الأقليات وضمان حقوقها في سوريا ومن ضمنها الكرد. هذا التحالف مع الأمريكي هو الذي أجبر الحكومة الجديدة على “الانفتاح” على الكرد والاعتراف ببعض حقوقهم.

الآن، مِن بين القوى الكبرى والصغرى في العالمين الغربي والشرقي، الحر وغير الحر مَن الذي قدم للكرد أفضل أو أكثر مما قدمته أمريكا حتى الآن؟ الجواب: لا أحد. مَن منها على استعداد أن تقف مع الكرد وتدعمهم كي يحصلوا على حقوقهم، ولو في حدودها الدنيا؟ الجواب: لا أحد. إذا استثنينا دعم فرنسا “الناعم” فإن القوة الدولية الوحيدة التي يمكن أن تتقاطع مصالحها مع مصالح الكرد في المنطقة في لحظة معينة وفي نقطة معينة هي فقط أمريكا.

ثمة أربع حقائق من المفيد الإشارة إليها في هذا السياق:

الأولى، الدول التي تقاسمت جغرافية كردستان قبل أكثر من قرن من الزمن عملت كل ما بوسعها وبكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة والقذرة وتعمل حتى اليوم كي لا تعترف بأي حق للكردي على أرضه، بل كي تمحوه من ذاكرة المنطقة تماماً، وستظل هذه الدول على السياسة ذاتها، لأنها أقوى من الكرد.

الثانية، مقابل كل ذلك العنف المادي والنفسي والثقافي لم يستسلم الكردي وعمل بكل ما يستطيع وما لا يستطيع كي يحصل على جزء من حقوقه، ولكنه لم ينجح لأن الطرف الآخر كان عنيفاً جداً (العين والمخرز)، ولأن الكردي كان يسعى بمفرده بلا دعم بسبب تلاقي مصالح القوى الكبرى مع مصالح هذه الدول الباغية وليس مع الكردي الطموح وصاحب الحق.

الثالثة، بالنظر إلى الإنكار المطلق الذي أبدته تلك الدول (على مدى قرن من الزمن) لكل حقوق الكردي وبالمطلق أيضاً، وبالنظر إلى تجربة إقليم كردستان، ثبت أنه لا يمكن للكردي أن يحصل على حقوقه (أو جزء منها) رغم محاولاته الحثيثة إلا بدعم من دول كبرى، وأن هذا الدعم لا يأتي على أساس أخلاقي، بل نتيجة لتقاطع مصالح في لحظة معينة وفي مكان معين.

الرابعة، أمريكا هي القوة العظمى المطلقة الأكثر تأثيراً في رسم سياسات العالم وتحديد مصائر شعوبه. ولا يمكن لأي قضية أو سياسة أن تمشي وتكتمل وتنجح إن لم تكن بموافقتها وتوقيعها شخصياً (من يعرف قضية تم حلها أو حقوق تم استرجاعها دون موافقة أمريكا فليخبرني).

استناداً إلى تلك الحقائق أود أن أطرح هذا السؤال: ما هي خيارات الكرد إذا ما قرروا عدم الثقة بأمريكا وعدم التعاون معها في سعيهم للحصول على حقوقهم المشروعة؟ أنا سأختصر الإجابة على النحو الآتي:

إن كنتَ لا تثق بأمريكا فهذا حقك، ولكن في هذه الحالة عليك أن تنسى حقوقك وتتوقف عن السعي للحصول عليها، وذلك لسببين: الأول، أن الخصم الذي لم يقدم لك شيئاً من حقوقك على مدى قرن من الزمن (بسبب غياب ضغط من قوة كبرى) لن يقدم لك شيئاً الآن أو في المستقبل دون وجود قوة ضاغطة. حتى ما يسمونها حقوق اللغة والثقافة وما شابه ذلك لن يقدمها أحد لك (رغم كل تعبك) دون أن تكبس قوة كبرى على رأس ذلك الأحد. السبب الثاني هو أنه لا يمكنك أن تنجز شيئاً بمفردك دون دعم من قوة أو قوى كبرى. ولكن القوة الوحيدة القادرة أن تنفعك في مساعيك هي أمريكا حصراً.

    لو أن الكرد في جنوب كردستان استسلموا لفكرة الحذر من التعاون مع أمريكا أو فرنسا أو بريطانيا أو عدم الثقة بها استناداً إلى التجارب السابقة لكان عليهم أن يرفضوا حمايتها لمناطقهم عام 1991 والتعاون معها عام 2003 لإسقاط النظام العراقي. ولكن هل حقاً يمكن للكردي أن يرفض التعاون مع الأمريكي؟ ماذا لو رفض الكرد التعاون مع أمريكا عام 2003 (كما فعلت تركيا آنذاك) لإسقاط نظام صدام حسين؟ هل الكرد يمتلكون رفاهية كهذه كي يمارسوها مع الأمريكان؟ إذا كانت كل دول العالم (بما فيها الراسخة والقوية والخصمة) تطلب رضى أمريكا، وتتجنب معاداتها وتدفع ثمن زعلها، فهل يمكن للكرد أن يفعلوا ذلك؟ عندما يقول ترامب: “على الكرد أن يختاروا بين أن يكونوا معنا أو مع النظام الإيراني”؟ أليس الجواب معروفاً سلفاً؟

    الدول لا تتعامل مع المسائل من منطلق أخلاقي أو حقوقي، بل من منطلق مصلحي فقط. والمصالح متغيرة. وإذا تلاقت مصالح دولة ما مع مساعيك للحصول على حقوقك فإن عليك أن تقبض عليها بأسنانك وأظافرك كلها. الدول لا تحتاج منك أن تثبت لها حقك ومظلوميتك كي تقف أو تتحالف معك، بل عليك أن تثبت لها أن تحالفها معك سيحقق مصالحها الآن ومستقبلاً، وأن خسارتها تكمن في عدم التحالف معك.

    هناك من يقارن بين “خيانة” أمريكا للكرد في سوريا وبين احتمال خيانتها لهم في إيران. ولكن علينا في هذا السياق أن ندرك الفوارق الجوهرية بين الحالتين:

أولاً، من حيث المبدأ إذا كانت هناك “خيانة” أمريكية في سوريا فهي خيانة لقسد وليس للكرد. أما موقف أمريكا من الكرد فتبين عندما أمرت القوات السورية بالوقوف على تخوم محافظة الحسكة وعدم التقدم إلى داخل المناطق الكردية.

ثانياً، في سوريا أقامت أمريكا نظاماً جديداً وتريد له أن ينجح ويستقر في الوقت الحالي، بينما قطعت طائراتها آلاف الأميال وتكبدت فقط في مائة الساعة الأولى من الحرب حوالي 4 مليار دولار كي تسقط النظام في إيران أو تضعفه على أقل تقدير. لذلك كان من الطبيعي أن تضعف أمريكا قسد لصالح النظام الجديد، بينما تريد تقوية الكرد لإضعاف النظام الإيراني.

    في النتيجة لا يمكن لعاقل أن يضع ثقته السياسية المطلقة في أمريكا أو غيرها، ولكن لا يمكن أيضاً لعاقل (كردي) أن يظن أنه (بعد مائة عام من المحاولات الحثيثة مع الأنظمة الحاكمة) يستطيع أن ينتزع شيئاً من حقوقه من بين مخالب تلك الأنظمة دون أمريكا أو غيرها. حتى مرسوم اللغة البائس لم يصدر إلا بفضل الضغط الأمريكي الفرنسي. لم يتركوا للكردي إلا هذا السبيل، سواء أحببنا ذلك أم لم نحب. فإما أن يسلكه وإما أن يجلس في بيته.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس قبل أن تنزلق المنطقة إلى المواجهة العسكرية المفتوحة التي نشهدها اليوم بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، كانت المعادلة في الشرق الأوسط تُدار بصورة مختلفة، لكنها لم تكن أقل حدّة. فقد كانت الولايات المتحدة، شأنها شأن معظم الإمبراطوريات في التاريخ، لا تخوض صراعاتها “مجانًا”، حتى…

بقلوبٍ يعتصرها الألم، وبوجعٍ يتجدد كلما سقط شهيدٌ جديد على ذات الطريق الملطخ بالظلم، نتوجه نحن عائلة الشهيد أمين عيسى أمين بأحرّ مشاعر التضامن والمواساة إلى عائلة الشهيد علاء الدين الأمين، الذي استلمت عائلته جثمانه من قوات الأسايش بعد نحو ستة أشهر على اعتقاله، في حادثةٍ تهزّ الضمير الإنساني وتكشف مجدداً حجم المأساة التي يعيشها شبابنا. لقد جاء علاء الدين…

يتابع تيار مستقبل كردستان سوريا بقلق بالغ واهتمام شديد ، ما تم تداوله بشأن وفاة الشاب علاء الدين الامين (33 عاماً) بعد فترة من الاعتقال من قبل جهات أمنية تابعة للإدارة الذاتية ، استمرت لعدة أشهر، وهي حادثة أثارت الكثير من التساؤلات والقلق في أوساط المجتمع. وإذ ، يدين تيار مستقبل كردستان سوريا أي انتهاك يتعرض له الإنسان وخاصة مقتل…

تلقى مركز عدل لحقوق الإنسان معلومات مؤسفة عن وفاة السيد علاء الدين الأمين تحت التعذيب الشديد بعد اعتقال وإخفاء قسري دام أكثر من ستة أشهر في ظروف غامضة، حيث أكّدت عائلة الشاب علاء الدين أمين التي تسكن مدينة القامشلي في محافظة الحسكة – شمال شرق سوريا، أنها استلمت يوم الأثنين 8/3/2026 جثمان ابنها علاء الدين البالغ من العمر 33 عاماً…