الدكتور احمد رشيد
لم تعد أزمة الحركة السياسية الكردية في سوريا مجرد خلافات حزبية عابرة أو اختلافات في البرامج والشعارات، بل تحولت مع مرور الزمن إلى أزمة بنيوية عميقة في طبيعة القيادة السياسية نفسها. فبعد عقود طويلة من النضال والتضحيات والسجون والملاحقات، ما يزال الكرد في سوريا عاجزين عن تحويل هذا التاريخ النضالي إلى قوة سياسية موحدة ومؤثرة داخل المعادلة السورية. هنا يبرز مفهوم الكتلة التاريخية كما صاغه المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي بوصفه مفتاحاً لفهم هذا العجز ومخرجاً نظرياً وسياسياً منه.
الكتلة التاريخية، في معناها الغرامشي، ليست تحالفاً حزبياً عابراً، ولا اتفاقاً تكتيكياً بين قيادات متنافسة، بل هي تحالف اجتماعي وسياسي وثقافي واسع يتشكل حول مشروع تاريخي جامع، قادر على قيادة المجتمع وإنتاج شرعية سياسية حقيقية. وفي الحالة الكردية السورية، فإن غياب مثل هذه الكتلة هو السبب العميق وراء استمرار التشتت السياسي وعجز الحركة الكردية عن ترجمة حضورها الشعبي إلى قوة تفاوضية فاعلة.
لقد تحولت الأحزاب الكردية، مع مرور الوقت، إلى جزر سياسية منفصلة، لكل منها خطابها وتحالفاتها وحساباتها الإقليمية الخاصة. وبدلاً من أن تكون أدوات لبناء مشروع قومي ديمقراطي، أصبحت في كثير من الأحيان بنى تنظيمية مغلقة تدير صراع النفوذ أكثر مما تدير صراع الحقوق. والنتيجة أن المجتمع الكردي، رغم ما يمتلكه من طاقات بشرية وثقافية وسياسية، ما زال يفتقد مرجعية سياسية جامعة قادرة على تمثيله بوضوح في لحظة سورية شديدة التعقيد.
المشكلة الأخطر ليست فقط في وجود الانقسام، فكل الحركات السياسية في العالم عرفت مراحل انقسام، بل في تحويل الانقسام إلى حالة طبيعية ودائمة. فكل حزب يتصرف وكأنه مركز الحقيقة السياسية، وكل تيار يعتقد أنه وحده صاحب الشرعية، بينما تتحول القضية الكردية نفسها إلى رهينة لهذا التنازع المستمر على التمثيل.
وفق منطق غرامشي، لا يمكن لأي قضية قومية أن تنتصر عبر تنظيم منفرد أو سلطة أمر واقع، بل عبر كتلة تاريخية واسعة تجمع بين القوى السياسية والنخب الفكرية والثقافية وفعاليات المجتمع المدني، وتخلق نوعاً من الهيمنة السياسية والفكرية داخل المجتمع. غير أن ما نشهده في الواقع الكردي السوري هو العكس تماماً: تضخم في البنى الحزبية مقابل تراجع دور المجتمع، وصراع على الشرعية بدل إنتاج شرعية وطنية حقيقية.
إن بناء كتلة تاريخية كردية في سوريا لا يعني مجرد عقد مؤتمر جديد أو إصدار بيان وحدوي آخر، بل يتطلب قبل كل شيء تحرير القرار السياسي الكردي من الارتهان الخارجي، وإعادة تعريف المشروع السياسي الكردي على أساس المصلحة القومية ضمن إطار ديمقراطي سوري واضح. كما يتطلب إعادة السياسة إلى المجتمع، وإشراك النخب الفكرية والثقافية والشبابية في صياغة المشروع، بدلاً من احتكار القرار داخل دوائر حزبية ضيقة.
وفي هذا السياق يبرز مثال واضح على مقاومة هذا المسار. فبدلاً من التعامل مع أي مبادرة تسعى إلى فتح أفق جديد للحركة الكردية، نشهد أحياناً ردود فعل تعكس خشية من أي مشروع يتجاوز البنية الحزبية التقليدية. وقد ظهر ذلك بوضوح في مواقف بعض الأوساط المرتبطة بـ المجلس الوطني الكردي، التي تعاملت مع المبادرة الوحيدة لمشروع “بذاف” لاحقا( الحركة الوطنية الكردية) بوصفها تهديداً سياسياً، لا فرصة تاريخية للنقاش وإعادة التفكير.
فبدلاً من الانخراط في نقاش سياسي جدي حول مضمون هذه المبادرة، اختارت بعض الأقلام القريبة من المجلس تحويلها إلى هدف للنقد والهجوم، وكأن المشكلة تكمن في طرح فكرة جديدة، لا في حالة الجمود السياسي التي تعيشها الحركة الكردية منذ سنوات. إن مثل هذه المواقف تكشف عن مأزق أعمق من مجرد خلاف سياسي؛ إنها تعكس خوفاً من أي مشروع يمكن أن يعيد ترتيب الحقل السياسي الكردي خارج المعادلات التقليدية.
التجارب التاريخية للشعوب تؤكد أن التحولات الكبرى لم تصنعها الأحزاب وحدها، بل الكتل التاريخية التي نجحت في توحيد المجتمع حول مشروع وطني جامع. أما استمرار الحركة السياسية الكردية في نمطها الحالي فلن يقود إلا إلى مزيد من التهميش داخل المعادلة السورية، مهما ارتفعت الشعارات أو تعددت الاجتماعات.
والحقيقة التي يجب قولها بوضوح، حتى لو كانت صادمة، هي أن المشكلة لم تعد في نقص الشعارات ولا في غياب البرامج، بل في غياب الإرادة السياسية الجماعية القادرة على تجاوز عقلية التنظيم إلى عقلية المشروع التاريخي.
لذلك فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه الكرد في سوريا اليوم ليس: كم حزباً يملكون؟
بل سؤال أكثر جوهرية وخطورة: هل يمتلكون القدرة على بناء كتلة تاريخية تحول حضورهم الاجتماعي إلى قوة سياسية تقرر مصيرها؟
من دون هذه الكتلة سيبقى الكرد في سوريا يدورون في حلقة الانقسام ذاتها، بينما تضيع فرصة تاريخية كان يمكن أن تؤسس لمرحلة جديدة في تاريخ