عفرين .. أرض الزيتون، نبض الجبال ووفاء الإنسان

خالد حسو

في أقصى غرب كوردستان، وفي أقصى شمال غربي سوريا، حيث تتكئ التلال على زرقة السماء وتتنفس الأرض بعمق تاريخها، تمتدّ عفرين بوصفها إحدى المناطق الكوردية الراسخة في هويتها الثقافية والقومية والجغرافية .
تتشكل الحياة فيها حول الأرض والانتماء، ويعيش الكورد بذاكرتهم ولغتهم وتقاليدهم، ويعبّر الشعب الكوردي عن حضوره اليومي عبر العمل والصمود والحفاظ على التراث .

في عفرين، الطبيعة ليست مجرد مشهد بصري، بل فضاء حيوي تتداخل فيه الجغرافيا مع الهوية. الجبال تحرس القرى، والحقول تمتد كلوحة خضراء تعكس علاقة الإنسان الكوردي بأرضه .
هناك يصبح الانتماء ممارسة يومية، لا خطابًا عابرًا ولا شعارًا سياسيًا، بل واقعًا اجتماعيًا متجذرًا في تفاصيل الحياة.
تشكل عفرين فضاءً اجتماعيًا وثقافيًا وقوميًا يعيش فيه الناس بلغتهم وعاداتهم وطقوسهم، ويحافظون على تراثهم كامتداد طبيعي لتاريخهم. الذاكرة الجماعية هنا ليست ماضيًا جامدًا، بل عنصرًا فاعلًا في تشكيل الحاضر وصناعة المستقبل .

وفي الحياة اليومية، يظهر حضور الشعب الكوردي في تفاصيل الزراعة والمواسم والاحتفالات .
العائلة تجتمع حول الأرض، حول الزيتون والزرع، فتتحول الجهود المشتركة إلى فعل تضامن اجتماعي يعمّق العلاقة بين الإنسان ومحيطه الطبيعي .

على تلالها تقف شجرة الزيتون كرمز مركزي للوجود الكوردي في هذه الأرض .
ليست مجرد شجرة إنتاج، بل علامة هوية مغروسة في التراب وشاهدًا على استمرار الحياة رغم التحولات .
جذورها العميقة تشبه ارتباط الإنسان الكوردي بأرضه؛ كلما اشتدت الظروف ازداد ثباتًا وتمسكًا بالمكان.
وموسم الزيتون في عفرين ليس حدثًا اقتصاديًا فحسب، بل مناسبة اجتماعية تترسخ فيها الروابط العائلية والمجتمعية.
تتجمع العائلات تحت الأغصان، وتتوارث الأجيال الحكايات والذكريات، فيصبح الزيتون سجلًا حيًا للذاكرة الجماعية.
إن تقديس الزيتون هنا لا يعني عبادة الشجر، بل يعني احترام الأرض باعتبارها عنصرًا من عناصر الكرامة والهوية .
الأرض ليست ملكية عابرة، بل حق تاريخي واجتماعي مرتبط بوجود أهلها. ومن يصون أرضه يصون اسمه ولغته وحكايته .

وفي ضوء الشمس التي تلامس أوراق الزيتون، يتجلى المشهد كأن الطبيعة تعلن انسجامها مع الإنسان .
الهوية هنا ليست لافتة إدارية، بل واقع ديموغرافي وثقافي متجذر في العمق.
إن الحفاظ على الطابع الكوردي لعفرين ليس توصيفًا عاطفيًا، بل تأكيدًا على حقيقة اجتماعية قائمة.
وأي رؤية مستقبلية للمنطقة لا يمكن أن تتجاهل هذا الواقع، لأن الاستقرار الحقيقي يرتبط باحترام الحقوق التاريخية للسكان الأصليين وضمان استمرار حضورهم الفاعل في أرضهم.
عفرين ليست مجرد جغرافيا …
بل مساحة حياة كوردية صافية، متصلة بتاريخها ومتمسكة بمستقبلها …..

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

نظام مير محمدي *   شهد الفضاء السياسي والاجتماعي في إيران خلال الأيام الأخيرة تحولاً جذرياً وحاسماً. فالجامعة، هذا الخندق العريق للحرية، قد هبت من جديد، مبعثرةً حسابات غرف عمليات القمع التابعة لولاية الفقيه. إن استمرار التظاهرات الطلابية في جامعات طهران وبقية مدن الوطن، وذلك عقب القمع الدموي لانتفاضة يناير (كانون الثاني)، يحمل رسالة واضحة وقاطعة للسلطة: إن النار تحت…

الشيخ امين كلين Shikemin Gulin ياسادة الافاضل : اصبح الرقم 13 رمزا مهما للشعب الكردي في سورية ، حفظه كل سوري يحب بلده وبكل مكوناته ، منذ قيام الدولة السورية وبعد انهيار الدولة العثمانية 1918 كانت النظرة الى الاكراد نظرة الريبة والشكوك بانهم غرباء ، نسوا لابل…

شادي حاجي المشكلة في سوريا ليست خلافاً سياسياً عابراً، بل بنية دولة قامت تاريخياً على إنكار التعدد القومي. لذلك فإن أي اتفاق بين دمشق والقوى الكردية لن يكون ذا قيمة ما لم يتضمن ضمانات دستورية واضحة وغير قابلة للالتفاف. الكرد لا يفاوضون على تحسين إدارة محلية، بل على اعتراف دستوري ينهي عقوداً من التهميش. وأي صيغة بلا تحصين قانوني…

الدكتور احمد رشيد تنطلق تساؤلات الأستاذ شكري بكر من قراءة تاريخية معروفة لمسار الحركة الكوردية في سوريا، وهي قراءة تُلامس بعض الوقائع، لكنها تتوقف عند حدود تشخيص الماضي أكثر مما تذهب إلى تفكيك مأزق الحاضر. فالمشكلة الكردية اليوم لا تكمن فقط في الانقسامات السابقة أو في تدخلات حزب العمال الكوردستاني بل في عجز البُنى القائمة عن إنتاج مشروع وطني جامع…