جنود الكراهية

ماجد ع محمد

بالرغم من أن سيماء الشعوب المضطهدة قبيل الثورات تبدو للناظر إلى أحوالها أنها تكون بكامل الاتقاد في تلقف أسمى العبارات المتعلقة بالحرية، وتتلحف بأوسع وأكبر يافطات حقوق الإنسان، وتتفاعل بحماسٍ منقطع النظير مع الكليشيهات والجمل التي لها علاقة بالإخاء والمحبة والسماح وقبول الآخر، إلا أنه بعد تفجير الأوضاع ودوام فترة المنازعات تتجه الوقائع الميدانية تدريجياً صوب التزمت، ومن ثم نفي الغير، إلى أن تصل الأمور إلى مرحلة اقتراف الأعمال العدوانية بحق كل مختلف. وقتئذٍ تختفي كل الكلمات البهية من قاموس الحياة اليومية لدى الناس، ويُلاحظ حينذاك بأن المتعسِّف المحقون وحده من يغدو مركز الثقل ومحط التودد إليه، إن لم نقل الترحيب به من قبل العامة الباحثة عن رضا السلطان وحاشيته.

وطبعاً لكل ناشرٍ للمقت ومتشبثٍ بالرأي ومتعطشٍ للصدام جمهوره وحاضنته وفضاؤه الذي يتحرك فيه بحرية، وفقاً للمزاج العام للناس والبيئة التي يُعبر فيها عن مكنونه بكل أريحية، وذلك بما أن سيول الأهواء عادةً ما تكون سيدة الأحكام في ذلك المناخ المحقون بأمصال المغالاة.

وطالما أن المنطق منفي والعقل مستبعد، فلا غرابة إن رأيت بأن المحقون قد غيَّر ضفته وانتقل إلى الشط الآخر، مثل أولئك المعتصمين بأذيال أرباب السياسة ممن كانوا يعبدون فلاناً في الأمس واليوم يلعنونه ليل نهار، متخذين من زعيمٍ آخر معبوداً لهم. ففي ذلك المناخ المزكوم، إن كان أفقك رحباً ولم تحكم على الأحداث والمجريات إلا بمنطق الحق والعدل والإنصاف، فلا مكان لك بين جموع الهائجين.

والغريب أن لوثة الغلو في خطابات جنود الغل والكراهية لا تبقى في حدود المناطق المبتلاة بداء التشدد والمعبأة بأشنع تخيلات حشودها البشرية، إنما تلقى صدى اختلالهم حتى في بلاد المغتربات التي تتصور بينك وبين نفسك بأن المقيم في ربوعها والشارب من مناهلها الثقافية هو بمنأى عن آفة الشطط التي تجتاح البلاد المبتلاة بالحروب الأهلية، ولكنك تصطدم بصلادة الحقيقة المناهضة لتصورك.

بما أن ردات الفعل تؤكد لك بأن السفر والانتقال في رياض البلاد المتقدمة لم يخلصهم من العلل التي حملوها معهم إبان مواسم الهجرة والاغتراب، وهو ما يعني أن الفائدة الكبيرة المرجوة من تغيير المكان وفق مارك مانسون في كتابه “فن اللامبالاة” غير قابلة للتعميم، حين يقول: “إن السفر أداة رائعة لتطوير الذات لأنها تنتزعك من قيم ثقافتك وتجعلك ترى أن هنالك مجتمعاً آخر يستطيع العيش بقيم مختلفة تمام الاختلاف وينجح في ذلك من غير أن يكره أفراده أنفسهم، إن هذا الاحتكاك بقيم ثقافية مختلفة، وبمقاييس مختلفة، يرغمك على إعادة النظر في ما كان يبدو لك واضحاً في حياتك، وكذلك على التفكير في أن أسلوب حياتك قد لا يكون بالضرورة أفضل أسلوب للحياة”. حينئذٍ تصل إلى نتيجة مفادها، حيال الدور العلاجي للسفر وقدرته على تغيير العقول وتطهير النفوس من أدرانها، أن التغيير المحمود بفضل السفر ليس سمة عامة لدى كل الأوادم، بل ولا ينسحب ما يشير إليه مانسون إلا على فئة قليلة جداً من البشر.

وعن بث الشحناء والمجاهرة بمعاداة الآخر في الخطاب اليومي لطيفٍ كبيرٍ من أبناء البلد في الداخل والخارج، والذي يتم التعبير عنه بأقبح الصور في وسائل التواصل الاجتماعي، يمكننا قراءة الخلل والافتقار إلى التوازن النفسي في مواقف العشرات ممن نصادف مكتوباتهم في فضاء الرقميات. ومنه على سبيل الذكر وليس الحصر، إذ سُئل مناوئاً وهو يشتم بمناسبة وبدونها من يبتعد عنه آلاف الكيلومترات، قائلين له:

لماذا تشتم بكل حماسٍ ذلك المتنائي، فيما الذي يدوس على بطنك ليل نهار، والذي يكاد أن يلامس بجسده أنفك، فلا ترمي حتى نعله بسوء النظر؟

قال: لو كنت أمتلك الجرأة على انتقاد الذي أمامي لما رأيتني أشتم البعيد عني!

فقيل له: طالما أن هذا هو حالك، أليس من الأفضل لك أن تكف عن شتم وانتقاد البعيد عنك، بما أنك أجبن من أن تتناول حذاء أي مسؤولٍ أو عنصر من عناصر الجهة التي تعيش في ظلها؟

قال: كيف لي أن أُظهر لمن أعيش بينهم بأني واحدٌ منهم، إن لم أشتم وأنتقد من يرونه عدواً لهم؟

قيل له: إذن أنت فقط تحاول أن تثبت لمن تعيش في ظلال أحذيتهم العسكرية بأنك ما زلت واحداً منهم!

قال: هذا هو الواقع الذي أعيش في ظله منذ سنوات. وأردف قائلاً: لو كنتم في الداخل لتماهيتم مثلنا مع أي جهة تستحكم بجغرافية المنطقة التي تمكثون بها، مهما كانت الجهة المتسلطة ممعنة في القذارة، ولفعلتم الأمر ذاته الذي نفعله نحن الآن، ليس لأنكم من فرقة المطبلين أو جيش المنافقين، إنما حتى تتقوا شر هذه الجهة أو تلك مثلنا، إذ لا نتوقع أن يتم لنا ذلك الأمان المؤقت الذي ننشده إلا من خلال التماهي مع أحاديث وتصريحات أقطابها، إلى درجة محاكاة ممارسات مجمل أوباشها المسلحين، لأننا نفعل ذلك من باب إزاحة الشبهات وحماية الذات، وليس تعبيراً عن حبنا لها أو رضانا عنها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين   لدينا مشكلة قديمة مركبة عمرها يقارب المائة عام ، زادتها الأنظمة الشوفينية المتعاقبة في النصف قرن الأخير تعقيدا ، من جهة لم تعترف بالكرد وجودا وحقوقا ، ومارست سياسة الإلغاء ، وحرمتهم من تطورهم القومي الطبيعي ، ومن الجهة الأخرى حاصرت الحركة الوطنية الكردية ، وواجهتها بكل الوسائل القمعية ، وأغلقت بوجهها كل الفرص لاستعادة حيويتها ،…

عاكف حسن لا يمكن بناء أي مستقبل على الخوف، ولا يمكن حماية مجتمع عبر كسر إرادته. من هذه الحقيقة البسيطة تبدأ كل الأسئلة، وتنتهي كل الذرائع. ما تمارسه “جوانن شورشكر” ليس عملاً سياسياً ولا نشاطاً مجتمعياً، بل سياسة قائمة على إخضاع الناس عبر الترهيب، وعلى تحويل الخوف إلى أداة حكم يومي. أخطر ما في هذه الممارسات ليس فقط القمع، بل…

كوردي زيوكي   يخطئ النظام الإيراني إذا لم يفهم أن عدم ردّ إقليم كوردستان وبقية الكوردستانيين في العالم على هجمات الدولة الإيرانية ليس من باب الضعف أو عدم القدرة على المواجهة، ولا من باب غياب ردّة الفعل، أو أن يُفسَّر موقف كوردستان ذريعةً لزيادة التوسع في اعتداءاتهم المتكررة وغير الإنسانية، في محاولةٍ لإلحاق أكبر ضرر بالبنية التحتية والمنشآت المدنية في…

لوند حسين*   في لحظة سياسية معقدة تعيشها سوريا عموماً، والحركة السياسية الكُردية خصوصاً، تتكاثر الاطروحات التي تسعى إلى تفسير الأزمة وتشخيص أسبابها واقتراح مخارج لها، تحت عناوين من قبيل «إعادة البناء» و«تصحيح المسار»؛ ورغم أن بعض هذه الاطروحات يتسم بقدر من الجرأة في نقد الداخل الكُردي، إلا أنه يقع في إشكالية جوهرية تتمثل في اختزال أزمة مركّبة في بُعدها…