نورالدين عمر
ليست قوة الدولة في قدرتها على ضبط المجتمع أمنياً، بل في قدرتها على إدارة تنوعه بعدالة. فالسلطة التي تخشى حقوق المكونات القومية أو الدينية أو المذهبية تعكس، في جوهرها، هشاشة سياسية عميقة، حتى وإن بدت متماسكة بأجهزتها الأمنية. والخوف من التعددية ليس سوى اعتراف ضمني بأن العقد الاجتماعي القائم غير متوازن، وأن استمرار الحكم مرهون بالإقصاء لا بالمشاركة.
في الحالة السورية، تبدو قضية حقوق المكونات في آن واحد عقدة الأزمة ومفتاح حلها. فمنذ عقود، جرى التعامل مع التنوع بوصفه تهديداً يجب ضبطه، لا ثراءً ينبغي استثماره. والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم: ما مصير السلطة التي ترفض الاعتراف بحقوق مكوناتها؟
السلطة التي ترفض الاعتراف بحقوق مكوناتها عادة ما تواجه السلطة ثلاث مآلات حتمية متداخلة هي:
أولاً: الاستنزاف الداخلي
عندما تغيب الشرعية السياسية القائمة على التمثيل العادل، تضطر السلطة إلى تعويض ذلك بتوسيع أدوات الرقابة والقمع. وهنا تتحول موارد الدولة من الاستثمار في التعليم والصحة والبنية التحتية إلى تمويل الأجهزة الأمنية والعسكرية. ومع الوقت، ينهك هذا الخيار الاقتصاد ويضعف مؤسسات الدولة، فتتآكل من الداخل حتى وإن حافظت على مظهر السيطرة. والتجارب الإقليمية تشير إلى أن تضخم الإنفاق الأمني غالباً ما يكون مؤشراً على أزمة ثقة بين السلطة والمجتمع، لا على قوة حقيقية.
ثانياً: الارتهان للخارج.
حين تفقد السلطة حاضنتها الوطنية المتنوعة، تميل إلى البحث عن ضمانات خارجية. ومع تعمق العزلة الداخلية، تصبح بحاجة إلى دعم سياسي أو عسكري أو اقتصادي من قوى خارجية تضمن بقاءها. لكن هذا الخيار يضعف السيادة الفعلية ويجعل القرار الوطني رهينة توازنات دولية، فيتحول النظام من ممثل لمجتمعه إلى طرف يعتمد على حماية الخارج في مواجهة الداخل.
ثالثاً: الانفجار أو التفكك المجتمعي.
إنكار الحقوق لا يلغي الهويات، بل يدفعها إلى التحصن. فإذا لم يشعر المواطن أن الدولة تمثله وتحميه، سيبحث عن الأمان في دوائر أضيق (الطائفة، القومية، أو الجماعة المحلية). ومع تراكم الإقصاء، تتحول هذه الهويات إلى خنادق دفاعية، ما يفتح الباب أمام انقسامات عميقة قد تترجم لاحقاً إلى مطالب انفصالية أو صراعات مفتوحة. عندها، تصبح وحدة الدولة شكلية، بينما يتفكك نسيجها الاجتماعي فعلياً.
في السياق السوري، لا يمكن تجاوز هذه الحقائق. فالكرد، بوصفهم أحد أبرز المكونات القومية في البلاد، عانوا لعقود من سياسات إنكار وتهميش مست لغتهم وثقافتهم وحقوقهم المدنية. ولا يمكن تصور استقرار دائم من دون اعتراف دستوري واضح بهويتهم وضمان حقوقهم الثقافية والسياسية بما في ذلك استخدام لغتهم كلغة رسمية إلى جانب العربية في مناطقهم.
الأمر ذاته ينطبق على بقية المكونات. فالدروز، والمسيحيون، والعلويون، وسواهم، ليسوا جماعات تحتاج إلى “حماية” مشروطة بولاء سياسي، بل مواطنين يجب أن يتمتعوا بحقوق كاملة ومتساوية، فالدروز يحتاجون إلى حقوق سياسية وتنموية تضمن كرامتهم بعيداً عن منطق “الحماية” مقابل الولاء.
والمسيحيون ليسوا ضيوفاً، بل جزء أصيل من تاريخ سوريا وحضارتها، ويجب أن يكون حضورهم قائماً على المواطنة المتساوية، كذلك العلويون، الذين جرى ربط مصيرهم بالنظام السابق، هم أيضاً مواطنون من حقهم الاندماج في دولة مؤسسات، مع ضمان عدم تعرضهم لأي شكل من أشكال العقاب الجماعي. والحل لا يكمن في المحاصصة الطائفية التي تعيد إنتاج الانقسام داخل مؤسسات الدولة، بل في إعادة تأسيس العقد الاجتماعي على أسس مدنية وديمقراطية، القائمة على اللامركزية الإدارية والسياسية الموسعة والتي يمكن أن تشكل إطاراً عملياً لإدارة التنوع. فحين تمنح المجتمعات المحلية صلاحيات حقيقية لإدارة شؤونها ضمن دولة واحدة، تتراجع مخاوف الهيمنة وتتعزز الثقة بالمركز.
إن الحقوق ليست منحاً تقدم من أعلى، بل هي اعتراف قانوني وسياسي بوجود متنوع داخل وطن واحد. وأي تسوية تقوم على أنصاف حلول أو تأجيل الاستحقاقات الدستورية لن تكون سوى هدنة مؤقتة تؤجل الانفجار ولا تمنعه.
الدولة القوية ليست تلك التي تسكت الاختلاف، بل تلك التي تنظمه في إطار عادل. وعندما يشعر كل مكون أن هويته مصانة وكرامته محفوظة، تتحول المواطنة إلى مظلة جامعة تتقدم على كل الانتماءات الفرعية من دون أن تلغيها. عندها فقط يمكن لسوريا أن تنتقل من دولة الخوف من التنوع إلى دولة الثقة بتنوعها — ومن إدارة الأزمة إلى بناء الاستقرار.