في محنة التأويل والتفسير .. ليس دفاعا

روني علي

اتذكر، ذات مرة حدث خلاف بين كاتبين -وهم من الاصدقاء- وأخذ الخلاف مجراه إلى صفحات التواصل .. لينضم العديد من اصدقائهم ومن القراء والمتابعين وكذلك البعض الذي يتخذ من صفحات التواصل مرتع تسليته الى حلبة الصراع وكل يشد من ازر هذا ويشن هجومه على ذاك . ولعمري أن البعض لم يكن يعلم عن طرفي الخلاف سوى ما تتقاذفها الصفحات لينضم هو الآخر إلى المعمعة ويدلو بما يحمل قاموسه الشتائمي من مخزون وثقافة .. إلخ . حينها حاولت من جهتي التوسط بينهما حتى لايتشوه البقية الباقية مما نعتبرها “الذائقة الجمالية” في مجتمعنا وحتى لا نساهم في تقزيم الكلمة وندفع بمن يحمل هم الارتقاء بالوعي الجمالي ليكون دريئة أمام حجارة لا تعي هدفها ونفسح المجال أمام طعنات نابعة من احفاد شخصية أو اختلاف في المزاج بل وحتى في بعض الآراء حول بعض المسائل التي ليست لها حضورها فيما يتعلق بجوهر الخلاف .

مناسبة هذا الحديث هو ما يتم تداوله منذ أيام حول مشاركة الكاتب والروائي الكوردي جان دوست فعاليات معرض دمشق للكتاب وما أثير حول هذه المشاركة من لغط ونقاش وملاحظات وتهجم وتقبيح والدخول إلى زوايا شخصية واجتماعية .. حتى وصل بالبعض إلى التشكيك في هوية الرجل والطعن بوطنيته ..!؛. ناهيكم عن أن البعض الذي لا يمتلك ملكة النقد الادبي حاول من جهته قراءة أفكاره ونتاجه الادبي بصورة مجحفة وفاقدة لكل ما يتصل بالأدب والنقد الأدبي، ليس لشيء سوى لإشباع نزعته العدائية تجاه الرجل وربما لإرضاء جهات معينة أو تمرير رسائل هي مطلوبة منه . والأنكى من كل هذا وذاك، هو أن البعض حاول ترديد اسطوانة “جان دوست ليس من كوباني”.

وحتى لا يفهم الموضع بخلاف ما أود الوصول إليه يهمني أن اقول بأني هنا لست في وارد الدفاع عن الكاتب وإنما دفاعا عن كل من يجتهد في الحقل الأدبي وإن كان ما تعرض له الكاتب يتعرض له السياسي والمثقف والناشط .. إلخ . بمعنى آخر، أن نساهم في لجم مثل هكذا آفة وهي تنخر حتى في البيئة الثقافية التي نعول عليها وعلى رسالتها التي ينبغي أن تكون رسالة البناء والارتقاء وليس الهدم واستنزاف الطاقات .. وهذا لا يعني قطعا سد المنافذ امام النقد ومحاولات تصحيح كل ما من شأنه أن يشوه مسارات الأداء الجمالي في مجتمعنا . وعليه سوف احدد بعض النقاط الرئيسية التي تمت إثارتها على خلفية مشاركة الكاتب جان دوست فعاليات المعرض واضعها أمام المهتمين والمتابعين للشأن الادبي وكذلك الشأن العام .

– المشاركة في الفعاليات

قد نتفق أو نختلف، لكن علينا أن نضع الحدود الفاصلة بين السلطة ومؤسسات الدولة، ومع إدراكنا بأن مؤسسات الدولة في شرقنا لا تنفصل عن هيكلية السلطة، لكن هذا لا يعني أن نساهم من جانبنا أيضا على تعميم هذه الفكرة، بل نجتهد قدر ما بوسعنا على تحييد المؤسسات عن مخالب السلطة حتى تكون لها حضورها الفاعل. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، أعتقد أن الحضور في معرض للكتاب لا يعني حضورا في مهرجان سلطوي خاصة إذا ما امتلكنا رؤيتنا وكان لنا موقفنا تجاه السلطة ذاتها. فضلا عن كل هذا وذاك، اذا اعتبرنا بأن سوريا دولة الكل فمن حق الكل أن يكون له حضوره في المكان الذي يتمكن من خلاله أن يعبر فيه عن وجوده سواء كشخص أو موقف. وبما أن الأدب هو بحد ذاته سلاح في معركة الوجود، فيما إذا كان ملتزما وهادفا، فما الضير لو كان هذا السلاح حاضرا في ساحات الخصم!!

أعتقد كان ينبغي أن يكون التقيم هنا من خلال مواقف الكاتب فيما إذا كان قد ساوم على قناعاته أو قدم تنازلات سياسية حتى يكون له حضوره في المعرض لا من خلال الحضور الذي ربما يحمل بحد ذاته بصمة أدبية/سياسية لها فعلها في ساحة الصراع نفسها.

من جهتي اعتبر أن حضور كتب/ روايات تحمل بين طياتها تاريخ وانتصارات الكورد وكذلك مواقف بطولية في مواجهة ما تعرض له يعتبر إنجازا ومكسبا، فكيف إذا كانت بعض روايات الكاتب تغمز من قناة الحاضنة الأيديولوجية للسلطة الحاكمة نفسها ؟!.

– حول نقد النتاج الأدبي

أعتقد أن من حق أي ناقد أن يتصدى للنتاج الأدبي لأي كاتب كان، لكن حين يأتي النقد بالتوازي مع حملة يتعرض لها الكاتب، حينها يتحول النقد نفسه إلى جزء متمم لتلك الحملة . واذا كان الناقد بريء عن الحملة كان عليه أن يتأنى في دراسته إلى أجل آخر .. وهنا اتحدث عن الناقد الذي يمتلك ادوات النقد وليس عن الذي يرصف الكلمات دونما اطلاع ادبي على الموضوع الذي يقف عليه .

جان دوست ليس من كوباني .

حقيقة مثل هذه الاسطوانة المشروخة باتت معيبة بحق كل من يدعي أنه ينتمي إلى كوباني ويردد مثل هذه الاسطوانة .. ترى كيف يكون لشخص ما أن يكون منتميا إلى رقعة جغرافية ؟!. ربما يكون هذا الانتماء لدى البعض حين يردد ذاك الشخص نفس ارائه أو قناعاته أو طريقة تفكيره !!.

السؤال هنا : من يعطي حق الانتماء ومن يسلبها ؟!

ما اعرفه أن السيد جان دوست هو من مواليد كوباني وعائلته تسكن حارة الشيخ صالح -نسبة إلى جده- تلك الحارة التي انا ايضا انتمي إليها واعرف أفراد عائلتهم ممن هم أكبر مني ومن يشاركونني المرحلة العمرية وكذلك اقربائه ..

وهنا اقولها وبملء الفم .. افتخر بكل من ينتمي إلى الإنسانية فكيف لو كان منتميا إلى رقعتي الجغرافيا .. وأهمس في اذن البعض بأن البلدان تعرف باسم نوابغها وادبائها ومبدعيها وعليه اقول، شئنا أم أبينا فإن كوباني معروفة باسم أبطالها ومبدعيها ومن بينهم جان دوست حتى لو كنت مختلفا معه.

وأخيرا اقول .. ترددت كثيرا في كتابة هذا الموضوع لكن وجدت من الإنصاف أن علي واجب كتابته فقط من أجل ألا نشوه واقعنا أكثر فأكثر.

 

https://www.facebook.com/ronyarim/posts/

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ماهين شيخاني من أقسى مفارقات واقعنا السياسي أن بعض من يرفعون لواء الديمقراطية في برامجهم وأدبياتهم يسقطون في أول امتحان حقيقي لها… امتحان الصندوق. ما حدث بعد المؤتمر الأخير للبارتي، ليس مجرد اختلاف في الرأي، بل اختبار أخلاقي لمفهوم الالتزام بالمؤسسات. أشخاص حضروا المؤتمر، ناقشوا، طرحوا أفكارهم، مارسوا حقهم كاملاً، بل ونالوا أعلى الأصوات في انتخابات شرعية شفافة. وحين جاءت…

تحت شعار: القضية الكُردية في سوريا قضية وطنية بامتياز انّ تثبيت حقوق الشعب الكُردي في الدستور السوري هو ضمانة للعدالة والاستقرار المرسوم رقم 13 هو خطوة على طريق الإنصاف العمل على ترسيخ النسيج الوطني ودعم السلم الأهلي تعزيز الديمقراطية وصون الحريات العامة هما أساس بناء الدولة تفعيل الدور الريادي للمرأة وتمكين الشباب في الحياة الحزبية والسياسية في 13/2/2026 عقد حزبنا…

م. أحمد زيبار الحفاظ على المكتسبات ليس أمراً ثانوياً، بل هو جوهر المرحلة وامتحانها الحقيقي. فما شهدته سوريا من سقوط دراماتيكي لنظام الأسدين، وصعود قوى جديدة إلى واجهة المشهد، لم يكن متوقعاً لدى كثير من السوريين. وجاء تعيين السيد أحمد الشرع رئيساً للمرحلة الانتقالية في «مؤتمر النصر» ـ الذي ضمّ عدداً من الفصائل العسكرية ـ ليؤشر إلى دخول البلاد مرحلة…

عدنان بدرالدين   لا تبدو جولة جنيف الجديدة بين طهران وواشنطن محاولة جدية لإنهاء الأزمة، بقدر ما تبدو استمرارًا لنمط مألوف: إدارة التوتر ومنعه من الانفلات. وصول وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى سويسرا، بعد أقل من أسبوعين على لقاء مسقط، جاء مصحوبًا بتصريحات عن اتفاق “عادل ومنصف”، وبالتأكيد على أن الاستسلام للضغوط غير مطروح. في المقابل، لم تظهر واشنطن…