جنيف: إدارة الأزمة الإيرانية لا حلّها

عدنان بدرالدين

 

لا تبدو جولة جنيف الجديدة بين طهران وواشنطن محاولة جدية لإنهاء الأزمة، بقدر ما تبدو استمرارًا لنمط مألوف: إدارة التوتر ومنعه من الانفلات.

وصول وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى سويسرا، بعد أقل من أسبوعين على لقاء مسقط، جاء مصحوبًا بتصريحات عن اتفاق “عادل ومنصف”، وبالتأكيد على أن الاستسلام للضغوط غير مطروح. في المقابل، لم تظهر واشنطن استعدادًا لمواجهة مفتوحة، كما لم تتراجع عن سياسة الضغط والعقوبات. المشهد مألوف: خطوط حمراء إيرانية ثابتة، وضغط أمريكي مستمر، وقناة تفاوض تبقى مفتوحة رغم كل شيء.

منذ توقيع الاتفاق النووي عام 2015، ثم انسحاب إدارة ترمب منه عام 2018، دخلت العلاقة بين الطرفين في دائرة تصعيد وتهدئة متكررة. العقوبات اشتدت، والبرنامج النووي توسّع، والمفاوضات تعثرت في فيينا، لكن الأمور لم تصل إلى نقطة اللاعودة. لا حرب شاملة وقعت، ولا تسوية نهائية أُنجزت. ما حدث هو إدارة مستمرة للأزمة.

هذا النمط لا يعني وجود تفاهم سري بين الطرفين، بل يعكس إدراكًا مشتركًا للمخاطر. مواجهة غير محسوبة قد تجرّ المنطقة إلى صراع واسع، وتفتح أبوابًا يصعب إغلاقها. لذلك يُستخدم الضغط لإحداث ألم اقتصادي، دون الذهاب إلى كسر كامل. ويُستخدم التفاوض لتفادي الخطأ الاستراتيجي، دون تقديم تنازلات كبرى.

العقوبات أثّرت بوضوح على الاقتصاد الإيراني: تضخم مرتفع، تراجع في قيمة العملة، وضغوط معيشية واسعة. ومع ذلك، لم يتحول هذا الضغط إلى انهيار سياسي. النظام في طهران لا يقوم على شرعية انتخابية تقليدية تجعله يتهاوى مع تراجع الشعبية، بل على منظومة أمنية–أيديولوجية تضع أولوية السيطرة فوق أولوية كسب الرضا الجماهيري.

في الداخل، الغضب الشعبي حقيقي، لكنه مشتت. لا توجد قيادة جامعة، ولا مشروع سياسي واضح لما بعد النظام. المعارضة منقسمة، والحركات القومية حذرة، و”التيارات الإصلاحية” لا تريد قطيعة كاملة. في مثل هذا المشهد، يتحول الضغط الخارجي أحيانًا إلى عامل يعزز خطاب “الصمود” بدل أن يسرّع التغيير.

إقليميًا ودوليًا، الحسابات أكثر براغماتية مما يوحي به الخطاب العلني. انهيار دولة كبيرة مثل إيران، متعددة القوميات وذات موقع حساس في أسواق الطاقة، قد يفتح احتمالات فوضى لا تقل خطورة عن استمرار الوضع القائم. لذلك تميل القوى المؤثرة إلى خيار أقل مخاطرة: إبقاء الأزمة تحت السيطرة.

جنيف، كما كانت مسقط قبلها، ليست بداية حل شامل، بل محطة في مسار طويل من ضبط الإيقاع. لا أحد يبدو مستعدًا لدفع ثمن الحسم الكامل، ولا أحد يريد انفجارًا واسعًا. وهكذا تستمر المعادلة: ضغط لا يكسر، وتفاوض لا يحسم.

قد تتغير الأمور إذا حدثت صدمة داخلية كبيرة، أو خطأ عسكري فادح، أو انشقاق في بنية السلطة. لكن حتى الآن، يبدو أن إدارة الخصم – لا إنهاءه – هي القاعدة الفعلية.

والسؤال الذي يبقى مفتوحًا: إلى متى يمكن لأزمة تُدار باستمرار أن تبقى تحت السيطرة؟

 

16 شباط / فبراير 2026

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ولاتي مه – خاص: أعلن خمسة من أصل سبعة أعضاء في قيادة منظمة أوروبا التابعة لحزب الوحدة الديمقراطي الكُردي في سوريا انسحابهم من صفوف الحزب، وذلك عبر بيان سياسي صدر اليوم، أشاروا فيه إلى جملة من الأسباب التنظيمية والسياسية التي دفعتهم لاتخاذ هذا القرار، بعد ما وصفوه باستنفاد جميع محاولات الإصلاح الداخلي. ويأتي هذا التطور بعد أيام قليلة من إعلان…

د. حمدي سنجاري بعض الزيارات لا تُنسى. لا لأنها تُعرّفك على مكان، بل لأنها تضعك وجهاً لوجه مع معاناة بشر حقيقيين، وآمالهم التي لم تنطفئ بعد. وحين دعاني عدد كبير من أبناء سنجار، النازحين قبل أيام في دهوك وأربيل، وجدت نفسي أمام زيارة طالما أجّلتها أكثر مما ينبغي. هناك التقيت بسنجار الحقيقية. مسلمون، إيزيديون، مسيحيون. عرب وكورد وتركمان….

تلقى النائب كبرئيل موشي سلسلة من الاتصالات والرسائل من عدد من أحزاب الحركة الوطنية الكردية في سوريا، هنأته خلالها بمناسبة نيله عضوية مجلس الشعب السوري، متمنين له التوفيق والنجاح في أداء مهامه الوطنية وخدمة أبناء الوطن. وقد وردت هذه الاتصالات والرسائل من كل من: * الدكتور صلاح درويش سكرتير الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا * السيد شلال كدو رئيس…

خوشناف سليمان ما تشهده مناطق شمال وشرق سوريا اليوم هي حالة استنزاف شاملة تضرب حياة الناس في الصميم. وتستهدف القدرة على البقاء والصمود لدى جميع مكونات المنطقة و خاصة الكرد الحرائق التي التهمت آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية خلال المواسم الأخيرة لم تكن مجرد حوادث عابرة. بل جاءت متزامنة مع سياسات اقتصادية أثقلت كاهل المزارعين. فأسعار شراء المحاصيل لم تعد…