الحفاظ على المكتسبات… مسؤولية اللحظة التاريخية

م. أحمد زيبار

الحفاظ على المكتسبات ليس أمراً ثانوياً، بل هو جوهر المرحلة وامتحانها الحقيقي. فما شهدته سوريا من سقوط دراماتيكي لنظام الأسدين، وصعود قوى جديدة إلى واجهة المشهد، لم يكن متوقعاً لدى كثير من السوريين. وجاء تعيين السيد أحمد الشرع رئيساً للمرحلة الانتقالية في «مؤتمر النصر» ـ الذي ضمّ عدداً من الفصائل العسكرية ـ ليؤشر إلى دخول البلاد مرحلة انتقالية معقّدة، تحكمها توازنات داخلية وضغوط دولية وترتيبات إقليمية لا تنفصل عن مصالح القوى الكبرى وبعض الجهات النافذة في المنطقة.

وفي خضم هذه التحولات، وبعد سلسلة من الحوارات والتدخلات الدولية، تم التوصل إلى اتفاق العاشر من آذار بين القيادة السورية وقيادة قوات سوريا الديمقراطية. غير أن مسار الأحداث لم يكن هادئاً؛ إذ شهدت الساحة مواجهات دامية، أبرزها معارك حيّي الأشرفية وشيخ مقصود، تلتها انسحابات متلاحقة من دير حافر، ثم من الرقة ودير الزور، وصولاً إلى اتفاق التاسع والعشرين من كانون الثاني ببنوده الأربعة عشر، الذي شكّل محطة مفصلية في سياق الصراع والتفاوض.

أمام هذه التطورات، وما رافقها من انتهاكات ومجازر، تحرّك الشارع الكردي في الأجزاء الأربعة من كردستان، كما في دول الشتات، في مشهد عابر للحدود والانقسامات الحزبية، عبّر عن شعور قومي موحّد، ومارس ضغطاً على المجتمع الدولي لتحمّل مسؤولياته تجاه الشعب الكردي. ولم يكن هذا الحراك الشعبي منفصلاً عن نشاط دبلوماسي كثيف قادته شخصيات ومرجعيات كردية بارزة، وفي مقدمتها القيادة في إقليم كردستان، حيث جرى العمل بلا كلل لدعم مطالب الكرد في سوريا ووقف الحرب على مناطقهم، بما أسهم في تقليص فجوات الخلاف وتعزيز مناخ التوافق.

كما أن الرسائل المتبادلة والحوارات التي نُقلت إلى أربيل، في سياق ترتيب البيت الكردي، تؤكد أن ثمة إرادة متنامية لتوحيد الصف وتجاوز إرث الانقسام الذي أثقل الحركة الكردية لسنوات طويلة. وقد تزامن هذا الحراك مع تحركات على المستوى الدولي، تجلّت في نقاشات داخل الكونغرس الأمريكي، وجلسات في الاتحاد الأوروبي، وصولاً إلى مؤتمر ميونيخ للأمن، حيث شارك الجنرال مظلوم عبدي والدبلوماسية الكردية إلهام أحمد، في مؤشر واضح إلى حضور القضية الكردية في دوائر القرار الدولية.

إن ما يجري اليوم ليس إلا مقدمات لمرحلة قد تحمل مكاسب أكبر. لكن السؤال الجوهري يبقى: هل يستطيع الكرد الحفاظ على هذه المقدمات، وتحويلها إلى إنجازات راسخة تقود إلى حياة كريمة وحرة، أسوةً بسائر شعوب المنطقة؟

لقد شكّل الموقف الصريح الذي أعلنه الجنرال مظلوم عبدي ـ برفضه توقيع أي اتفاق مذل، وعودته إلى أبناء شعبه برؤية أكثر ثباتاً ـ نقطة تحوّل معنوية وسياسية. فقد عزّز هذا الموقف ثقة الشارع الكردي، ورسّخ شعوراً بوجود قيادة تعبّر عن تطلعات الناس، لا عن إملاءات اللحظة. ومع هذا التحول، برز واقع جديد: للمرة الأولى منذ تأسيس الدولة السورية، تتبلور شخصية كردية سورية تحظى بإجماع شعبي واسع، ما يضعها أمام مسؤوليات تاريخية بحجم التحديات.

إن الحفاظ على هذا التناغم الكردي وتطويره إلى حالة دائمة من التوافق بات ضرورة ملحّة. فالمرحلة تفرض:

  • الالتفاف حول المرجعيات الوطنية الكردية الجامعة، وفي مقدمتها الزعامة التاريخية للشعب الكردي ووريثها المتمثّل في البيشمركة مسعود البارزاني، بوصفها مرجعية قومية لها حضورها وتأثيرها، مع التأكيد على احترام التعدد والخصوصيات داخل البيت الكردي.
  • تعزيز التنسيق مع إقليم كردستان المعترف به دولياً بوصفه عمقاً سياسياً ودبلوماسياً لا غنى عنه، وتطوير هذه العلاقة بما يخدم المصالح العليا للشعب الكردي، مع وضع حدّ لمحاولات الإضعاف أو التشويش التي تصدر عن نزعات حزبية ضيقة أو تأثيرات خارجية.
  • تحصين العلاقات الكردية–الكردية من الانقسامات والمصالح الشخصية والاصطفافات التي تعرقل وحدة الصف، والعمل على ترسيخ ثقافة الشراكة والتكامل.
  • العمل مع أصدقاء الشعب الكردي على تثبيت أطر قانونية ـ مشروع قانون حماية الكرد ـ لحمايته من أي اعتداء، بما يعزز موقعه التفاوضي في أي مسار سياسي أو دستوري، ويسهم في تثبيت حقوقه المشروعة ضمن الدول التي تتوزع فيها جغرافية كردستان.
  • دعم جهود الجنرال في بناء مرجعية كردية في كردستان سوريا، ومنح الأولوية لمطلب وحدة المناطق الكردية سياسياً وإدارياً في المرحلة المقبلة. ومن شأن هذه المرجعية أن تؤدي دوراً محورياً في صياغة الدستور السوري، وضمان حقوق الشعب الكردي، وتحقيق العدالة لكل السوريين. كما يمكن أن تسهم في إنهاء حالة التشتت الحزبي المفرطة التي أصابت الحركة الكردية، حتى بات من الصعب حصر عدد أحزابها أو أسمائها.

وفي موازاة ذلك، ينبغي الانتباه إلى محاولات بث الفتنة عبر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، سواء بين الكرد أنفسهم أو بينهم وبين العرب. فهذه المحاولات ليست بريئة في كثير من الأحيان، وتهدف إلى تقويض أي تقارب أو استقرار. والمسؤولية هنا تقع على عاتق النخب والفاعلين الاجتماعيين في ترسيخ خطاب العقل والحوار، والتأكيد أن التعايش بين الكرد والعرب قدر جغرافي وتاريخي لا بديل عنه، وأن مستقبل سوريا لا يمكن أن يُبنى إلا بالشراكة بين جميع مكوّناتها.

إن الحديث عن إدارة كردية مستقرة في سوريا، تحت أي مسمى يتوافق عليه السوريون، لا ينبغي أن يُفهم بوصفه مشروعاً انعزالياً، بل كجزء من حل وطني شامل يخدم وحدة سوريا واستقرارها، ويعيد بناء الثقة بين مكوّناتها. فوجود منطقة آمنة ومستقرة يديرها أبناؤها بعدالة وكفاءة يمكن أن يشكّل نموذجاً إيجابياً لبقية البلاد، ويسهم في طيّ صفحة الحرب والدمار، وفتح المجال أمام إعادة البناء والخدمات والتنمية.

لقد دفع السوريون جميعاً، والكرد في مقدمتهم، ثمناً باهظاً خلال عقود الاستبداد وأعوام الحرب الطويلة. واليوم تقف المنطقة أمام فرصة تاريخية نادرة. إن الحفاظ على المكتسبات، وتعزيز التوافق، وتحويل اللحظة الراهنة إلى مشروع مستقبلي متماسك، هو الطريق الوحيد لضمان ألا تضيع التضحيات سدى، وأن يتحول الألم السوري إلى أمل، والصراع إلى شراكة، والمرحلة الانتقالية إلى بداية فعلية لسلام عادل ودائم.

 

  15.02.2026

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان من المؤسف أن يظهر بيننا اليوم بعض الكتبة حديثي العهد ممن يتعاملون مع تاريخ الكتابة والإبداع الكوردي وكأنه بدأ معهم، فيسارعون إلى التشكيك في إنتاج كتاب ومفكرين وأكاديميين كورد، وكأن ما سبقهم لم يكن موجوداً، أو كأن الكتابة لم تكن لها أثمانها في زمن لم تكن فيه وسائل التواصل الاجتماعي، ولا الذكاء الاصطناعي، ولا تلك المساحات…

علي جزيري يُضفي الموقعان الفلكي والجغرافي أهمية جيوبولوتيكية على بلاد الكرد؛ وتضفي مساحتها التي تناهز مساحة فرنسا القارية، وتركيبها الجيولوجي، ووقوعها في قلب الشرق الأوسط أهمية استراتيجية بالغة، ولاسيما أنها تطفو على بحر من النفط والغاز، وكانت تمرُّ فيها قديماً طرق (الحرير البرية القادمة من الصين، والتوابل من الهند، والبخور من شبه الجزيرة العربية متجهة نحو البحر المتوسط وأوروبا)، إضافة…

عمر كوجري / رئيس تحرير صحيفة كوردستان تأسس حزب العمال الكردستاني عام 1978 من قبل مجموعة من المثقفين الكورد والأتراك، وكان هدفه الأساسي والرئيسي وقتذاك (تحرير وتوحيد كوردستان) ولأنه جاء، وتأسس بهدف دسم وقوي، فقد استطاع أن يكوّن أرضية قوية وصلبة من المؤيدين، وخاصة فئة الشباب آنذاك استفاد الحزب بطبيعة الحال من الوضع السياسي غير المستقر والمتأزم للحركة السياسية الكوردية…

كۆهدرز تمر إن مصائر الشعوب، ودماء أبنائها، وقضاياها الوطنية ليست مجرد حقول تجارب للأفراد أو الأحزاب أو التنظيمات؛ بل هي أمانة تاريخية كبرى تثقل كواهلهم. لذا، واستناداً إلى الأعراف السياسية والأخلاقية، نرى لزاماً على القيادات التي تفشل في تحقيق طموحات شعوبها وأنصارها أن تتحلى بجرأة الاستقالة والاعتذار أمام الشعب والتاريخ. إن جرَّ شعبٍ بأكمله لعقود من الزمن تحت بريق…