مقالات

نصر حامد أبو زيد… من ذاكرة لقاء إلى سؤال الحاضر

فرهاد حاجو/ السويدـ سمبتمبر 2026

 

الذي دفعني اليوم إلى استعادة ذكرى المفكر المصري الكبير الأستاذ نصر حامد أبو زيد، والكتابة عن لقائي به قبل أكثر من عقدين من الزمن، هو ما أراه من أوجه شبه بين ما تعرّض له الرجل في حياته، وما يتعرّض له هذه الأيام صديقي العزيز الأستاذ سربست نبي من حملات وهجمات قاسية من قبل بعض المدافعين عن مشروع عبد الله أوجلان، ومن قبل أصوات مؤيدة له في روجآفا.

قد يتساءل القارئ: ما الذي يجمع بين التجربتين، رغم اختلاف السياقات والأفكار والجهات التي تقف وراء الهجوم في كل حالة؟

للإجابة عن هذا السؤال، أستعيد أولًا بعض المحطات من تجربة نصر حامد أبو زيد، ومن ثم أترك للقارئ مهمة المقارنة بين ما تعرّض له المفكر المصري وما يتعرّض له اليوم الأستاذ سربست نبي، مع الأخذ بعين الاعتبار الفوارق الكبيرة بين التجربتين، واختلاف الإيديولوجيات والسياقات التاريخية والسياسية التي أنتجت كل واحدة منهما.

 

لقاء في دمشق

 

تعرّفت إلى الأستاذ نصر حامد أبو زيد في خريف عام 2005، وكان الفضل في ذلك يعود إلى صديقي العزيز سربست نبي، الذي جمعني به في لقاء على مائدة غداء في أحد مطاعم دمشق.

ولا أبالغ إذا قلت إن ذكرى ذلك اللقاء لا تزال، حتى اليوم، تبعث في نفسي شعورًا عميقًا بالفخر. كان جلوسي قبالة الأستاذ نصر، وجهًا لوجه، لحظة بقيت راسخة في ذاكرتي، ليس فقط بسبب مكانة الرجل الفكرية، وإنما أيضًا لأنني كنت قد قرأت عددًا من كتبه وتابعت جانبًا من الجدل الفكري الذي أثاره في العالم العربي.

وبما أن سربست كان يعرف الأستاذ نصر منذ سنوات، كان طبيعيًا أن يأخذ زمام الحديث وأن يطرح عليه الأسئلة. توالت الأسئلة، وتوالت معها إجابات الأستاذ نصر المطوّلة، وكان الحديث في جانب كبير منه يدور حول تجربته الفكرية والقضائية في مصر.

 

كان الأستاذ نصر قد تعرّض لملاحقات قضائية على خلفية آرائه وكتاباته التي اعتبرها خصومه مساسًا بالثوابت الدينية. وانتهت القضية إلى الحكم بتكفيره واعتباره مرتدًا، وما ترتب على ذلك من التفريق بينه وبين زوجته الدكتورة ابتهال يونس عام 1995 بقرار قضائي.

وفي ظل التهديدات التي تعرّض لها، اضطر إلى مغادرة مصر برفقة زوجته، واختار المنفى في هولندا، حيث واصل عمله الأكاديمي والفكري، وأصبح أستاذًا للدراسات الإسلامية والفكرية.

أتذكر أن الحديث بينه وبين سربست انتقل في أكثر من مرة إلى قضايا فلسفية وفكرية واجتماعية كانت تتجاوز، في بعض جوانبها، حدود معرفتي المتواضعة في تلك المجالات. أما أنا، فكنت أبحث عن فرصة مناسبة لأشارك في الحديث بما لدي من معرفة اكتسبتها من خلال قراءتي لبعض كتب الأستاذ نصر.

 

وجاءت الفرصة عندما انتقل الحديث إلى كتابه «النص والتأويل».

كنت قد قرأت الكتاب أكثر من مرة، كما قرأت عددًا من كتبه الأخرى بتمعّن. وكان هناك سؤال ظل يرافقني أثناء قراءتي لأعماله، وكنت أتمنى أن أجد فرصة لطرحه عليه شخصيًا.

 

وهذه المرة كانت الفرصة أمامي.

جمعت شجاعتي وطرحت عليه السؤال الذي ظلّ في ذاكرتي , و الذي كنت أحتفظ به منذ مدة.

طبعًا، لا أستطيع أن أضمن أنني أتذكر الحوار حرفيًا بكل كلماته وتفاصيله بعد مرور كل هذه السنوات، لكنني سأحاول نقل مضمونه بأمانة قدر الإمكان.

 

قلت له:

ـ هل الهدف مما تقومون به هو وضع أساس يمكن أن يساعد على إصلاح الفكر الإسلامي، على غرار الحركة الإصلاحية التي قادها مارتن لوثر في القرن السادس عشر داخل الكنيسة الكاثوليكية؟

نظر إليّ بإمعان، وقال من دون تردد:

ـ نعم، لا شك في ذلك.

فقلت له:

ـ ولكن، أستاذي الكريم، ألا تعتقد أن هناك فرقًا شاسعًا بين الظروف التي يمكن أن تسمح بقيام حركة إصلاحية في الإسلام، وتلك التي سمحت لمارتن لوثر بالقيام بحركته الإصلاحية داخل الكنيسة الكاثوليكية وتأسيس البروتستانتية؟

ثم شرحت له وجهة نظري آنذاك: كان مارتن لوثر يستطيع أن يدعو إلى العودة إلى أصول المسيحية وتعاليم المسيح باعتبارها مرجعًا واضحًا لحركته الإصلاحية. أما في الحالة الإسلامية، فإن المرجع نفسه ــ أي القرآن والسنة النبوية ــ يمثل، في رأيي الذي طرحته عليه آنذاك، جزءًا أساسيًا من الإشكالية التي تحتاج إلى الإصلاح. ولذلك تساءلت: إذا كانت العودة إلى المرجع نفسه هي نقطة الانطلاق، فكيف يمكن أن يكون ذلك أساسًا لإصلاح جذري؟

نظر إليّ الأستاذ نصر مليًا، ثم قال باختصار:

ـ ملاحظتك ذكية، وهي تستوجب النقاش.

كانت جملة قصيرة، لكنها بقيت في ذاكرتي حتى اليوم.

 

من نصر حامد أبو زيد إلى سربست نبي

 

ولنعد الآن إلى السبب الذي دفعني إلى استعادة هذه الذكرى.

إن ما تشهده مجتمعاتنا الكردية والعربية والتركية والفارسية من تضييق على المفكرين والمثقفين الذين يختلفون مع الأيديولوجيات السائدة أو ينتقدونها، يثير سؤالًا يتجاوز الأشخاص والحالات الفردية.

فالمشكلة، في نظري، تبدأ عندما تتحول الأيديولوجيا من إطار فكري يمكن مناقشته ونقده إلى منظومة مغلقة لا تقبل الاختلاف، وعندما يصبح صاحب الرأي المختلف هدفًا للتشهير أو الإقصاء بدل أن يكون موضوعًا للنقاش.

والتاريخ، في هذا المجال، مليء بالأمثلة.

فمن بين ضحايا الصراعات بين الفكر والسلطة الفكرية أو السياسية والدينية، يمكن أن نذكر نصر حامد أبو زيد في سياق الصراع حول قراءة النص الديني، وسربست نبي في سياق الصراع الفكري والسياسي الراهن حول المشروع الآبوجي.

والأمثلة التاريخية أوسع من ذلك بكثير: سقراط، في سياق الصراع الفكري والسياسي في أثينا القديمة؛ وغاليليو غاليلي، في صراعه مع المؤسسة الكنسية في عصره؛ وألكسندر سولجنيتسين، في مواجهته للنظام السوفييتي وأيديولوجيته.

لا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن هذه التجارب متطابقة، أو أن السياقات التاريخية والسياسية والدينية التي أنتجتها واحدة. لكنها تذكّرنا بحقيقة تبدو بسيطة، لكنها كثيرًا ما تُنسى: عندما تتحول الفكرة إلى عقيدة مغلقة، ويصبح نقدها تهديدًا يجب إسكات صاحبه، فإن مساحة الحوار تضيق، ويصبح الاختلاف نفسه مشكلة.

وهنا تكمن أهمية الدفاع عن حق المفكر والمثقف في أن يختلف، وأن ينتقد، وأن يعيد النظر في المسلّمات، حتى عندما تكون أفكاره غير مريحة لأصحاب النفوذ أو لأتباع التيارات السائدة.

 

آخر اتصال

وللعودة إلى الجانب الشخصي من هذه الذكرى، لا بد لي من تسجيل آخر اتصال جمعني بالأستاذ نصر حامد أبو زيد.

بعد لقائنا في دمشق، عاد هو إلى هولندا، وعدت أنا إلى السويد.

وكان آخر اتصال بيننا في أواخر عام 2009.

سألته عن صحته وأحواله، ثم، بين الجد والمزاح، سألته إن كان يرغب في زيارتي في السويد.

أجابني باقتضاب، وأعطاني ردّه انطباعًا بأنه ربما كان يعاني من مشكلة صحية. قال إنه كان يرتب أمور سفره إلى مصر.

فقلت له مازحًا:

ـ إنت ناوي تنتحر؟

فأجابني ــ وهذه العبارة بقيت في ذاكرتي كما قالها:

ـ هو إنت عايز أموت في هولندا؟

وكانت تلك آخر كلماته لي.

بعد ذلك سافر إلى مصر، وهناك توفي في القاهرة إثر مرض وُصف في الصحافة آنذاك بأنه غامض.

ما الذي يبقى من اللقاء؟

مرّ أكثر من عقدين على ذلك الغداء الدمشقي القصير. ولم ألتقِ الأستاذ نصر حامد أبو زيد بعده إلا في ذاكرتي.

لكن بعض اللقاءات لا تقاس بطولها، وإنما بما تتركه في الإنسان.

أتذكر اليوم وجهه، ونبرة صوته، وطريقته في الإصغاء، وتلك الجملة القصيرة التي قالها لي بعد سؤالي:

«ملاحظتك ذكية، وهي تستوجب النقاش».

ربما لهذا السبب بالذات استعدت تلك الذكرى اليوم.

ليس لأن التاريخ يعيد نفسه بالضرورة، ولا لأن التجارب متطابقة، وإنما لأن السؤال الذي كان مطروحًا في زمن نصر حامد أبو زيد لا يزال حاضرًا بأشكال مختلفة: هل نمتلك الشجاعة الكافية للسماح للفكر بأن يختلف معنا؟

إن المجتمعات لا تتقدم عندما تتفق في كل شيء، وإنما عندما تستطيع أن تجعل من الاختلاف وسيلة للنقاش، لا ذريعة للإقصاء.

والمفكر الحقيقي لا تكون مهمته أن يردد ما يرغب الآخرون في سماعه، بل أن يطرح الأسئلة التي قد لا يرغب كثيرون في سماعها.

ولهذا، ربما يكون أفضل تكريم لنصر حامد أبو زيد، ولكل من اختار طريق السؤال بدل طريق التلقين، أن نحافظ على حق الإنسان في أن يسأل، وأن يناقش، وأن يختلف، دون أن يتحول اختلافه إلى سبب لملاحقته أو إسكات صوته.

 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب