الى اخوتنا في سوريا الغالية: فتنةُ الفيديو: وقودُ الفتنة الرقمية

كفاح محمود

  لم تعد الفتنة بحاجة إلى خطيب متحمس أو منشور تحريضي طويل، ولا إلى سلاح يعبر الحدود، يكفي اليوم مقطع قصير، مدته عشرون ثانية، يطلقه مجهول على منصة ما، ليرسم مشهدا دمويا يبدو مقنعا، ثم يتركه يتكاثر كالنار في الهشيم داخل مجموعات الهاتف وصفحات التواصل، وهنا تكمن خطورة عصرنا: أن الكذب صار أسرع من الحقيقة، وأن الصورة التي كان الناس يعدونها دليلا يمكن الآن صناعتها ببرودة أعصاب وبضغطة زر.

  في سوريا تحديدا، حيث الجراح مفتوحة والذاكرة مثقلة بالمآسي، تصبح المقاطع التي تزعم أنها توثق جرائم قتل وتعذيب وقودا جاهزا للاشتعال، بعض هذه المواد قد يكون قديما، أو مقتطعا من سياق مختلف، أو من أماكن بعيدة، وبعضها الأخطر مفبرك بالذكاء الاصطناعي: وجوه تركب على وجوه، وأصوات تقلد، وأسماء تضاف، ولهجات تحاكى، ثم يقال للناس: انظروا ماذا فعلوا بكم اليوم، وما إن تستقر الصدمة في القلب حتى تتحول إلى غضب، ثم إلى اتهام، ثم إلى ثأر، والمفارقة القاسية أن الفتنة الرقمية لا تحتاج إلى إقناع طويل؛ فهي تعتمد على أقصر طريق نحو الإنسان: الخوف على الأهل والكرامة، والاشمئزاز من العنف، والرغبة في الانتقام، لذلك تصمم هذه المقاطع لتضرب الأعصاب لا العقول: لقطات خاطفة، صراخ، دم، عنوان مستفز، وعبارة من نوع انشر قبل الحذف، وحين تنتشر، لا يبقى السؤال: هل هذا صحيح؟ بل يصبح: من الذي سنعاقبه؟

  هنا يبدأ الانهيار الاجتماعي: جيران يسيئون الظن بجيرانهم، ومكونات تتبادل الاتهام، ومناطق تغلق على نفسها، وتتحول الدولة إلى ساحات ثأر لا إلى فضاء قانون، وفي لحظة كهذه، لا يعود المنتصر منتصرا؛ لأن الفتنة لا تمنح أحدا مكسبا صافيا، هي تفلس الجميع: تسقط الأخلاق، وتهدر الدم، وتطيل أمد الكراهية، وتترك وراءها ندما جماعيا لا يداويه خطاب ولا تعويض.

  الوعي هنا ليس ترفا، بل هو خط دفاع أول، لا تشارك مقطعا قبل أن تسأل:

من نشره؟

متى صور؟ وأين؟

هل توجد نسخة أقدم منه بسياق مختلف؟

هل هناك مصدر موثوق أو شاهد مستقل؟

وهل تداولته جهات معروفة بالتدقيق لا بالتحريض؟

  وإن لم تتأكد، فالصمت أكرم من المشاركة، لأن المشاركة قد تكون رصاصة في جسد وطن.

  إخوتنا في سوريا، كوردًا وعربًا: لا تمنحوا صانع الفتنة ما يريد!

  لا تكونوا وقودا لحرب يشعلها فيديو ويكملها الغضب.

  اجعلوا القانون معياركم، والتحقق عادتكم، والعقل قائدكم.

  فالاقتتال لا يترك وراءه إلا خرابا مضاعفا، وندما متأخرا.

  المنتصر في الفتنة خاسر ونادم.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

محي الدين حاجي تواجه الساحة الفكرية والسياسية الكردية اليوم أزمة وعي حادة تفرضها شريحة متزايدة من الكتّاب والمعلقين هؤلاء يعتمدون على نقل الأخبار السطحية من صفحات الأنترنيت دون تدقيق، للشهرة واكتساب صفة المحلل السياسي. تعتمد تلك الأقلام على وسائل الاعلام التجارية والمحرضة وتزيف الحقائق .وتحول في نظر الشارع إلى حقائق مطلقة، مما يساهم في تزييف الوعي العام وتوجيه الجمهور نحو…

يسرى زبير في زمن التكنولوجيا، يبرز سؤال ملح: هل الذكاء الاصطناعي نعمة أم نقمة؟ في زمنٍ أصبح فيه المثقف مهمشاً، والكاتب مهملاً، والشاعر مستبعداً، والكتب مركونة على الرفوف يكسوها الغبار في الزوايا، يبرز هذا السؤال بإلحاح أكبر. في الوقت الذي كان فيه كثيرون عاجزين عن كتابة سطر واحد، أو بعيدين عن عالم القراءة والكتب، أصبحوا بين ليلة وضحاها يقدمون أنفسهم…

عزالدين ملا الساحة الكوردية السورية تمر اليوم في أكثر مراحلها تعقيداً منذ عقود، ليس فقط بسبب التحولات الكبرى التي عرفتها سوريا بعد سقوط نظام البعث والأسد، بل أيضاً بسبب التصدعات العميقة داخل البيت الكوردي نفسه والانقسام الحاد حول طبيعة المشروع السياسي الكوردي وحدود العلاقة مع السلطة السورية الجديدة وشكل الشراكة الوطنية المطلوبة في المرحلة المقبلة. فالمشهد الذي رافق انتخابات البرلمان…

حسن قاسم في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، تتكشف بين الحين والآخر مواقف وتصريحات تعيد التأكيد على ثوابت السياسة التركية تجاه القضية الكوردية. فالتصريحات المنسوبة إلى رئيس الاستخبارات الإسرائيلية السابق، والتي تحدث فيها عن نجاح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في إقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعدم دعم أي مشروع قد يقود إلى قيام كيان كوردي في إيران، تعكس…