انتفاضة إيران: نقطة اللاعودة نحو الحرية.. حينما يؤجّج القمع نار الثورة بدل إخمادها!

 عبدالرحمن کورکی (مهابادي)*

تقف إيران اليوم عند أحد أكثر المنعطفات حساسيةً، وفي الوقت نفسه أكثرها مدعاةً للأمل، في تاريخها المعاصر. فديكتاتورية ولاية الفقيه، تقف الآن على شفا الانهيار أمام الإرادة الصلبة والغضب المتراكم للشعب كما أسقط الشعب الإيراني ديكتاتورية البهلويين. إنّ الانتفاضة الشعبية الشاملة التي اندلعت في يناير/كانون الثاني 2026 لم تعد موجة احتجاج عابرة، بل تحوّلت إلى نهضة جذرية، منظَّمة، ولا رجعة عنها، هدفها النهائي إنهاء كل أشكال الديكتاتورية في هذه الأرض.

ينظر بعضهم إلى الشعب الإيراني، وينظر آخرون إلى المساعدات الخارجية. بعضهم يشعر بالفرح، وآخرون بالقلق. لكن المؤكد هو التصميم الحاسم لشعبٍ عزم على إسقاط الديكتاتورية في إيران. لقد انتقل الشعب الإيراني في مواجهته للاستبداد من «مرحلة الهزيمة» إلى «مرحلة النصر». ولم تعد هناك أي قوة قادرة على إيقافه.

يُظهر التاريخ أن أي ديكتاتورية لا تستسلم بسهولة. ففي لحظاتها الأخيرة، تسعى دائماً إلى بثّ الخوف، وإثارة الفرقة، ونشر الشائعات، وتلويث المشهد، بهدف حرمان الشعب من نيل حريته الحقيقية ودفعه نحو شكلٍ آخر من الاستبداد — هذه المرة بواجهة ديمقراطية أو إصلاحية. والسؤال الجوهري اليوم هو: هل سيتكرر هذا السيناريو مرة أخرى؟ هل ستُقمع انتفاضة الشعب الإيراني، أم ستصل إلى نصرها النهائي؟

الجواب كامن في الشوارع، في هتافات الشباب، في الإضرابات العامة، وفي دماء الشهداء: التاريخ لا يعود إلى الوراء. فالشعب الإيراني، بعد عقودٍ من التجربة المريرة مع الاستبداد الديني، لم يعد مستعداً للتسوية مع أي شكل من أشكال الديكتاتورية. لقد أنهكته الأنظمة السلطوية، ودفع ثمناً باهظاً من أجل الحرية — ثمناً يزداد فداحةً كل يوم باستشهاد بنات وأبناء هذا الوطن.

الراديكالية: السمة الجوهرية للمرحلة الراهنة

ما يميّز هذه الانتفاضة عن سابقاتها هو راديكاليتها الكاملة. لقد ولّى زمن الأمل بالإصلاح من الداخل، والمراهنة على التفاوض، والاكتفاء بالنشاطات المدنية البحتة أو انتظار التغيير التدريجي. اليوم، الشعار السائد في الأزقة والجامعات هو: «إما الحرية أو الموت». فالشباب الإيراني، الذي تحمّل النصيب الأكبر من التضحيات، يعلن بوضوح أنه لم يعد يملك شيئاً يخسره. ذلك أن ديكتاتورية ولاية الفقيه سلبتهم كل شيء: المستقبل، والأمن، والكرامة، والعيش الكريم، بل وحتى حق الحياة.

إنّ توسّع الاحتجاجات إلى أكثر من 190 مدينة، والاشتباكات المستمرة ليلاً ونهاراً في مئات المناطق، ومقاومة قوات مكافحة الشغب والوحدات الخاصة والقوى المسلحة بأيدٍ عارية، إلى جانب الإضرابات الواسعة في 12 محافظة، من كردستان وأذربيجان الغربية إلى غيرها، كلها مؤشرات على حقيقة لا يمكن إنكارها: القمع لم يعد أداة ردع، بل تحوّل إلى المحرّك الرئيس لوضعٍ ثوري شامل.

فكل رصاصة إعدام، وكل اعتقال ليلي، وكل خبر استشهاد، لا يزرع الخوف، بل يولّد مزيداً من الغضب والعزم، لا سيما في صفوف الشباب. إنّ هذه الدائرة المعكوسة للقمع هي بالضبط ما يحدث في المراحل النهائية لكل ثورة كبرى. فالنظام لا يعجز عن احتواء الاحتجاج فحسب، بل يوسّع نطاقه ويُعمّق جذوره مع كل فعلٍ عنيف يرتكبه.

الإضراب العام، متزامناً مع الراديكالية، الضربة القاضية لأسس النظام المتداعية

لم تعد الإضرابات الأخيرة مجرد احتجاجات فئوية، بل أضحت جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية ثورية راديكالية. فعندما يتوقف سائقو الشاحنات، والمعلمون، والعمال، والطلاب، وحتى بعض الفئات التقليدية عن العمل في آنٍ واحد، تنهار إلى الأبد الشرعية الاقتصادية للنظام، تلك التي حافظ عليها طويلاً بالقمع والدعاية. وحين تقترن هذه الإضرابات بالحضور الميداني والمقاومة المستمرة في الشوارع، فإنها تتحول من أداة ضغط إلى ضربة نهائية في صميم العمود الفقري الاقتصادي–السياسي للنظام.

درس التاريخ: من دون راديكالية، تدوم الديكتاتورية

لم تنتصر انتفاضة عام 1979 إلا حين تجاوزت مرحلة المطالب المحدودة وبلغت ذروة الراديكالية. ولو بقيت تلك الحركة في إطار احتجاجات إصلاحية أو مطلبية ضيقة، لربما استمرّت ديكتاتورية الشاه حتى اليوم. والقانون ذاته ينطبق الآن: لا تُهزم الديكتاتورية إلا أمام غضبٍ شعبي موحَّد، منظَّم، وراديكالي.

المستقبل للشعب

لقد نهض الشعب الإيراني ضد الديكتاتورية في بلاده. ومطلبه الجوهري هو إقامة جمهورية ديمقراطية قائمة على الحرية، والعدالة الاجتماعية، وفصل الدين عن الدولة، وسيادة الشعب الحقيقية. وكل تيار أو قوة تسعى، بعد سقوط هذا النظام، إلى إعادة إنتاج شكلٍ آخر من الاستبداد، ستكون خاسرة استراتيجياً. مستقبل إيران مشرق؛ مستقبل لا تكون فيه الحرية حلماً، بل حقيقة قابلة للتحقق.

تحية لشهداء درب الحرية، للبنات والأبناء الذين كتبوا بدمائهم: إنّ الديكتاتورية إلى زوال. والعار لكل دولة أو وسيلة إعلام أغمضت عينيها عن جرائم ديكتاتورية ولاية الفقيه، أو راهنت على بقائها.

 

إنّ انتفاضة الشعب الإيراني مستمرة، وقد بلغت هذه المرة، بفضل راديكاليتها الثورية، نقطة اللاعودة. الحرية قادمة. وهذا الطريق هو طريق النصر النهائي للشعب الإيراني.

***

*کاتب ومحلل سياسي خبير في الشأن الايراني

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د . مرشد اليوسف تُعد زيارة الرئيس البرزاني إلى دمشق من أهم المحطات السياسية في المرحلة السورية الراهنة، لأنها تأتي في مرحلة تتقاطع فيها قضايا بناء الدولة السورية، ومستقبل محافظة الحسكة والعلاقات الإقليمية، مع ملف القضية الكردية بوصفها إحدى أكثر القضايا تعقيدًا منذ تأسيس الدولة السورية الحديثة. ولا تنبع أهمية الزيارة من شخصية البرزاني فحسب، بل من كونها تأتي…

صديق شرنخي المانيا / بوخم ليست كل الزيارات السياسية متشابهة؛ فبعضها يندرج في إطار البروتوكول الدبلوماسي، وبعضها الآخر يتحول إلى محطة مفصلية تعكس تحولات أعمق من مجرد لقاءات رسمية. ومن هذا النوع تأتي زيارة رئيس إقليم كردستان، نيجيرفان بارزاني، إلى العاصمة السورية دمشق، فهي ليست مجرد زيارة بين مسؤولين، بل يمكن قراءتها بوصفها أحد مؤشرات المرحلة الجديدة التي…

حسن قاسم أعتذر إلى محمود درويش، لا لأن قصيدته “سجّل أنا عربي” تفتقر إلى الجمال، فهي من روائع الشعر العربي الحديث، بل لأنني أختلف مع القراءة التاريخية التي قد توحي بها لدى البعض، حين تبدو العروبة وكأنها هوية أصيلة ومتجانسة لمعظم شعوب المنطقة منذ فجر التاريخ. في تقديري، لا ينبغي أن يتحول الشعر إلى مرجع للتاريخ، لأن التاريخ أكثر تعقيدًا…

محمود أوسو تشكل القضية الكردية واحدة من أكبر المفارقات في السياسة العربية المعاصرة. فمنطقياً، ووفقاً لمعادلة عدو عدوي صديقي، كان ينبغي أن يكون الكرد حلفاء طبيعيين للأنظمة العربية في مواجهة التمدد الإيراني في العراق وسوريا ولبنان. الواقع يؤكد ذلك: القوات الكردية كانت الحاجز البشري الذي أوقف مشروع الهلال الشيعي عند نهر الفرات، وهي القوة التي فككت بنية داعش عسكرياً…