ضفيرة المرأة الكردية: من الزينة إلى القداسة

غانم مرعي

تُعدّ الضفيرة في الثقافة الكردية رمزًا مركزيًا يتجاوز بعدها الجمالي ليحمل دلالات دينية، اجتماعية، وأخلاقية متجذّرة في عمق التاريخ. فهي ليست مجرد تسريحة شعر نسوية، بل علامة ثقافية كثيفة المعنى، تتقاطع فيها مفاهيم القداسة، الشرف، المقاومة، والهوية الجمعية. وتكتسب الضفيرة أهميتها بوصفها لغة رمزية صامتة عبّرت بها المرأة الكردية عن ذاتها، وعن موقعها في البنية الاجتماعية والروحية للمجتمع.
في الذاكرة الدينية الكردية، ارتبطت الضفيرة بممارسات طقسية تعود إلى قرون طويلة. فقد درج الكرد، ولا سيما في سياقات الفقد والمأتم، على قص جدائل الشعر بوصفه فعل تضرّع رمزي إلى الخالق، طلبًا لعودة الغائبين أو تخفيف وطأة الحزن. ويُنظر إلى الشعر هنا بوصفه جزءًا من الذات المقدسة، يُقدَّم قربانًا معنويًا لا تعبيرًا عن الضعف أو الانكسار، بل عن الإيمان والرجاء.
في المخيال الجمعي الكردي، تمثل الضفيرة علامة على الثبات الأخلاقي والقوة الداخلية للمرأة. ففي أزمنة الصراع والتهديد، كانت المرأة الكردية تشدّ شعرها أو تُسدله على صدرها في مواجهة الخطر، في فعل رمزي يحمل رسالة واضحة مفادها الصمود ورفض الانكسار. وهنا تتحول الضفيرة إلى خطاب بصري للمقاومة، تُعبّر من خلاله المرأة عن حضورها الفاعل في التاريخ، لا عن هشاشتها.
تحظى الضفيرة بمكانة قدسية خاصة في الديانات والمعتقدات الكردية القديمة، ولا سيما اليارسانية والكاكائية. ففي هذه السياقات، يُقسَم بـ“ضفيرة الأم” باعتبارها رمزًا للطهارة المطلقة والعفة المتعالية عن الدنس. ويكشف هذا القسم عن انتقال مفهوم القداسة من النصوص الدينية المجردة إلى الجسد الإنساني ذاته، بوصفه حاملًا للقيم الروحية والأخلاقية، ومجالًا لتجلي المقدّس.
لا يُعدّ قص ضفيرة المرأة قسرًا فعلًا عابرًا في العرف العشائري الكردي، بل يُصنَّف كجناية كبرى تماثل الاعتداء على العرض وإعلان العداء الصريح للعائلة والقبيلة. فالفعل هنا لا يُفهم بوصفه اعتداءً فرديًا، بل إهانة جماعية تمس الشرف الجمعي، وتستوجب ردًّا اجتماعيًا قد يصل إلى حد الصراع العشائري. وتكمن خطورة هذا الفعل في كونه استهدافًا مباشرًا للرمز، لا للجسد فحسب.
من الخطأ اختزال مفهوم الشرف في الثقافة الكردية في شعر المرأة أو مظهرها الخارجي. فالشرف، في جوهره، يرتبط بالأرض، والكرامة، والمقاومة، والقدرة على الصمود في وجه القهر. ومن هذا المنطلق، قد يتحول قص الضفيرة طوعًا إلى فعل كرامة وتحدٍّ، لا إلى علامة إذلال، ما دامت الإرادة حاضرة والاختيار حرًّا. وهنا يتجلّى الفرق الجوهري بين الفعل القسري بوصفه انتهاكًا، والفعل الإرادي بوصفه تعبيرًا سياديًا عن الذات.
تكشف الضفيرة في الثقافة الكردية عن شبكة معقّدة من الرموز والمعاني التي تجعل منها عنصرًا أنثروبولوجيًا بالغ الأهمية. فهي في آنٍ واحد زينة، وقربان، وعلامة شرف، وأداة مقاومة، وجسرًا بين الجسد والمقدّس. ومن خلال فهم دلالاتها المتعددة، يمكن قراءة تاريخ المرأة الكردية لا بوصفه هامشًا تابعًا، بل باعتباره مركزًا فاعلًا في تشكيل الهوية الثقافية والروحية للمجتمع الكردي.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالباسط سيدا الوضع الدولي على غاية التعقيد، وكذلك الوضع الإقليمي، وهذا يعود إلى عجز النظام العالمي، الذي توافقت بشأنه القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية 1939-1945، على مواكبة التطورات والمتغيرات التي استجدت منذ انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991. وقد تمثّل في تراجع المكانة الاستراتيجية لبعض القوى الدولية المؤثرة، وانشغال روسيا بأوضاعها الداخلية، وبروز الصين كقوة اقتصادية عملاقة تمتلك رؤية مستقبلية…

صلاح عمر في زمنٍ تُدار فيه الحروب على منابع الطاقة، وتُرسم فيه خرائط النفوذ بخطوط النفط والغاز، تبدو المفارقة في روجآفاي كردستان أكثر قسوةً من أن تُحتمل. فهنا، لا يدور الصراع على من يملك الثروة… بل على من يُحرم منها، رغم أنها تخرج من أرضه، وتُحمَّل أمام عينيه، وتغادر دون أن تترك له سوى طوابير الانتظار. في الوقت الذي يتصاعد…

اكرم حسين تقتضي الضرورة التاريخية الراهنة، أكثر من أي وقت مضى، إجراء مراجعة نقدية للمسارات السياسية التي سلكها الوعي الجمعي السوري منذ منتصف القرن العشرين، حيث ظلّت الدولة والوجدان العام رهيناً لمشاريع أيديولوجية شمولية حاولت قسراً صهر الوجود السوري المتعدد في أطر “فوق-وطنية”، مستندةً في ذلك إلى شعارات العروبة “الراديكالية ” أو”الأممية” الدينية التي تجاوزت حدود الجغرافيا والواقع المعاش…

سرحان عيسى بدايةً، لا بد من التأكيد على الاحترام الشخصي والتقدير للأستاذ عبدالله كدو، لما يمتلكه من تجربة ورؤية تستحق النقاش. غير أن هذا الاحترام لا يمنع من الوقوف عند بعض النقاط الجوهرية التي وردت في مقاله، خاصة حين يتعلق الأمر بمسار الحركة السياسية الكردية في سوريا ومستقبلها. إن الدعوة إلى تفعيل الطاقات والكفاءات الكردية السورية هي دعوة محقة ومطلوبة،…