زيارة الشرع إلى البيت الأبيض… السردية الكاملة للضغوط الأميركية، الفيدرالية المفروضة، والتحوّل الكبير في مستقبل سوريا

حوران حم
بدت زيارة أحمد الشرع إلى البيت الأبيض وكأنها اللحظة التي تكثّف فيها كل شيء: أزمة الحكم في دمشق، التغيرات الإقليمية، الانسحاب المتدرّج لنفوذ القوى القديمة، وصعود الولايات المتحدة كلاعب وحيد قادر على تحديد شكل سوريا الجديدة. لم تكن الزيارة بروتوكولية، ولم تكن جزءاً من الدبلوماسية الهادئة التي اعتادتها المنطقة في حالات مماثلة، بل كانت مواجهة مباشرة، حادة، ونادرة في صراحتها، وضعت الشرع أمام امتحان أخير، أمام ساعة رمل تنقضي بسرعة، وأمام مستقبل بلدٍ كامل يترنح على حافة التحول.
منذ اللحظة الأولى، كان واضحاً أن واشنطن استقبلت الشرع ليس بوصفه رئيس سلطة سورية جاء ليعرض رؤيته، بل بوصفه موظفاً سياسياً عليه تنفيذ ما تراه الولايات المتحدة الطريق الوحيد لاستقرار سوريا. ما تسرّب من تفاصيل اللقاء أكد أن ترامب واجهه بأسلوب غير مألوف، بأسئلة أشبه بالاتهامات وبنبرة تشبه الحكم أكثر مما تشبه النقاش. لم يُخفِ ترامب امتعاضه مما جرى في الساحل والسويداء، ومن فوضى الأجهزة، ومن الفساد الذي يتسرّب من دمشق إلى الخارج كما تتسرب رائحة العطب. كان يقول له بلا مجاملة: “أهذه هي إنجازاتكم؟” وكأنه يذكّره أن الثقة الممنوحة له ليست شيكاً مفتوحاً.
خرج الشرع من اللقاء وقد سمع ما هو أثقل من العتاب، فقد أُبلغ بأن الأشهر الستة المقبلة ستكون فرصته الأخيرة، وأن واشنطن لن تنتظر طويلاً لترى إن كان الرجل قادراً على فرض رؤيته على الداخل، أو إن كان سيعجز عن إدارة بلدٍ فقد توازنه منذ سنوات. في تلك اللحظات أدرك الشرع أن ما يجري ليس خلافاً على طريقة إدارة الدولة، بل إعادة ترسيم لصورتها من الأساس، وأن الأميركيين جاءوا هذه المرة بخريطة جاهزة لا تحتاج سوى إلى منفذ مطيع.
ومع توالي التسريبات، بدأ يظهر الجزء الأكثر حساسية من هذه الخريطة: الحديث الذي انتشر في الكواليس بأن ترامب لم يناقش الشرع فقط في الفساد والانتهاكات، بل أبلغه صراحة بأن سوريا لن تعود إلى المركزية القديمة، وأن المناطق الكردية والدرزية والعلوية يجب أن تتحول إلى أقاليم فيدرالية سياسية كاملة، تمتلك صلاحيات تشريعية وتنفيذية واسعة، وتكون دمشق فيها مركزاً رمزياً أكثر من كونها سلطة قابضة.
تقول الرواية المتداولة داخل دوائر سياسية إن ترامب قال للشرع إن الفيدرالية ليست خياراً ولا اقتراحاً، بل قرار أميركي يهدف إلى منع تفكك سوريا وفي الوقت نفسه منع عودتها إلى الاستبداد المركزي. لم يكن الحديث عن لامركزية إدارية شكلية تُمنح للمحافظات عبر قنوات بيروقراطية، بل عن نموذج سياسي جديد يعيد توزيع القوة بين المكونات الرئيسية في البلاد. فالإدارة الأميركية ترى أن الكرد الذين أثبتوا حضورهم خلال سنوات الفوضى لا يمكن إعادتهم إلى الهامش، وأن السويداء التي أظهرت دينامية سياسية متصاعدة يجب أن تُمنح ضمانات تمنع الانتقام المركزي أو الضغط الإقليمي، وأن الساحل الذي عاش عقدين في ظل الخوف والتعبئة يجب أن يحصل على صيغة سياسية تُخرجه من معادلة الرعب المتبادل.
لم يملك الشرع القدرة على رفض الطرح، لكنه حاول ـ وفق ما تسرب ـ تخفيف حدته أو تأجيله، إلا أنه وجد أن الأميركيين لا يملكون هذه المرة رفاهية النقاش. فبالنسبة لواشنطن، الفيدرالية هي الثمن الوحيد الذي سيدفعه الجميع مقابل عدم تقسيم سوريا، وهي الصيغة الوحيدة التي تمنع عودة الحرب. كان خطاب ترامب في اللقاء أشبه بتذكير بأن زمن “الحكم من دمشق ولصالح دمشق” انتهى، وأن سوريا الجديدة ستكون شبكة مناطق متوازنة، لا رأس واحد لها.
وبمجرد عودته إلى دمشق، بدأ الشرع يتحرك في كل الاتجاهات، وكأنه يحاول أن يسبق الزمن. أرسل وفوده إلى دير الزور، فتح اتصالات مباشرة مع قسد، وأوحى بأنه مستعد للدمج الشامل للقوات والمجالس وفق شروط الإدارة الذاتية ذاتها، وكأنه يقول للأميركيين: “أنا قادر”. في الوقت نفسه بدأ يرسل إشارات تصالحية للساحل، ويحاول تخفيف التوتر في السويداء، ويعالج ملفات الفساد داخل بعض الوزارات دون أن يتورط في حرب داخلية قد تنفجر بوجهه.
لكن هذه التحركات لم تخفِ الخوف العميق من “الفخ الإقليمي” الذي تتحدث عنه مصادر عدة. فتركيا، التي ترى في الفيدرالية الكردية مشروعاً كارثياً على أمنها، تبدو غير راغبة في تسليم المشهد للأميركيين بهذه البساطة. وهناك توقعات بأن تدعم أنقرة أو غيرها أحداثاً قد تُظهر الشرع عاجزاً عن ضبط الأمن أو عن السيطرة على المناطق، ما يمنح واشنطن الذريعة للتفكير ببديل جديد. فزيارة الشرع، بما تحمله من التزامات ضخمة، جعلته في مرمى النيران من كل اتجاه: القوى القديمة التي تخشى تغييرات بنيته، القوى الإقليمية التي تخشى تقويته، والقوى الدولية التي تطالبه بالمعجزات خلال أشهر معدودة.
ومع اقتراب العام الجديد، بات من الواضح أن سوريا تدخل مرحلة انتقالية كبرى، ليست انتقالاً بين حكومتين أو مرحلتين، بل انتقالاً بين نموذج قديم انهار بالكامل ونموذج جديد لم يكتمل بعد. تتجه البلاد نحو شكل سياسي متعدد المراكز، تملك فيه المناطق الكردية والدرزية والعلوية سلطات واسعة، فيما تتحول دمشق من مركز القوة المطلق إلى مركز توازن سياسي. أصبح الأميركيون اللاعب الوحيد القادر على فرض الإيقاع، فيما يتراجع تأثير القوى التي اعتادت تحديد المسار السوري لعقود.
كل ذلك يجعل زيارة الشرع للبيت الأبيض لحظة فاصلة، ليست حدثاً سياسياً عادياً، بل نقطة تحوّل ربما تكون الأخطر في تاريخ سوريا الحديث. فالشرع عاد وهو يحمل خريطة لم يصممها بنفسه، وقيوداً لم يختَرها، ومهلة قصيرة تشبه الاختبار النهائي. وإن فشل، فإن الأبواب ستفتح أمام مرحلة أشد اضطراباً، وإن نجح، فسيكون الرجل الذي أشرف على ولادة سوريا الجديدة.
إن ما بعد زيارة الشرع لواشنطن لن يشبه ما قبلها. فالفيدرالية لم تعد فكرة هامشية في نقاشات المثقفين، بل صارت جزءاً من الشرط الدولي للاستقرار. والأشهر القادمة لن تكون فقط اختباراً للشرع، بل اختباراً لسوريا نفسها: هل تستطيع الدخول في القرن الجديد بوصفها دولة متعددة الأقاليم ومتوازنة القوى؟ أم أنها ستظل أسيرة نموذج لم يعد قابلاً للحياة؟

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

اكرم حسين الحديث عن مسؤولية «الكرد» عن ممارسات قوات سوريا الديمقراطية، وتحميلهم جماعياً نتائج سياسات وممارسات هذه القوة، هو خلط سياسي وأخلاقي لا يخدم الحقيقة ولا وحدة البلاد. أولاً: قسد لم تدّعِ يوماً أنها تمثّل الكرد السوريين ، ولم تكن مفوضة بالحديث باسمهم. بل إن مشروعها السياسي، منذ نشأته، قام على مفهوم «الأمة الديمقراطية»، وهو تصوّر عابر للهويات…

عبدالباقي اليوسف تقتضي لحظات التحول التاريخية في الشرق الأوسط نظرة واقعية تفكك المشهد بعيداً عن الشعارات المستهلكة؛ وما يشهده الإقليم اليوم من تسارع محتدم للأحداث—من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران إلى إعادة رسم خرائط النفوذ—ليس مجرد تفاصيل منفصلة، بل تجلٍّ لإعادة ترتيب واسعة لموازين القوى. وفي قلب هذه العاصفة، يأتي الموقف التركي الراهن تجاه القضية الكوردية ليرسم علامات استفهام كبرى؛ موقفٌ…

عبد الجابر حبيب لا أدري لماذا تسلل إلى ذهني مسلسل “صح النوم”، وبالتحديد ذلك المشهد الذي يحاول فيه حسني البرظان كتابة مقالته الشهيرة. يبدأ بثقة: “إذا أردنا أن نعرف ماذا يجري في إيطاليا، فعلينا أن نعرف ماذا يجري في البرازيل.” ثم يتكفل غوار بإفساد كل شيء، فلا يكتمل المقال؛ لأن الواقع المؤلم الذي يعيشه كاتب المقال كان أثقل من أن…

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثانية: ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان… من الفكرة إلى المبادرة إذا كان تكرار الاعتداءات على إقليم كوردستان قد أصبح تهديدًا للاستقرار، وإذا كانت بيانات الإدانة لم تعد كافية لردعها، فإن السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هو: ما البديل؟ البديل، برأيي، هو فتح نقاش دولي جاد حول إنشاء ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان، أو إطلاق مبادرة أممية…